من بنى إسرائيل أمر بذبح كلّ ذكر يولد لهم ، فألقته فى تابوت ، وألقت التابوت فى البحر ، وكان فرعون فى موضع يشرف على النيل ، فلما رأى التابوت أمر به فسيق إليه ، وامرأته معه ، ففتحه فأشفقت عليه امرأته ، وطلبت أن تتخذه ولدا ، لأنها لم يكن لها ولد ، فأباح لها ذلك ؛ فذلك قوله (١) : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي). فهذه المحبة نفعت امرأة فرعون ، وكذلك صفورا نفعت محبّتها لموسى ، وزليخا ليوسف ، وخديجة لمحمد صلىاللهعليهوسلم.
فالمؤمن الذى يحبّ الله ويحبّه الله أفتراه لا تنفعه محبته ، وهو يقول : يحبّهم ويحبّونه ، ولم تكن هذه المحبة إلا لأمّة الحبيب ، لأنه كان حبيبا ، وحبيبا كحبيب حبيب ، ألا ترى آدم كان صفيّا ، فلم يجد أحد من قومه الصفوة ، وإبراهيم كان خليلا فلم يجد أحد من قومه الخلة ، وهكذا سائر الأنبياء ، لكن من علامة المحبة أولها الإفلاس ، وآخرها الوسواس ، ومن فرّ منه دعاه بكثرة الإحسان حتى يستحى من الله ، فيرجع إليه.
(فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ)(٢) : يعنى أنّ فرعون لما أخذه من التابوت ، وأسلمه لآسية صارت ترضعه فى المراضع ، فلم يقبل ثدى مرضعة ، حتى شاع خبره ، فذهبت أخته إليهم ، وقالت (٣) : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ).
(فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ)(٤) : وهذا من منن الله عليه لما قالت لهم : أنا أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ، وحرّضتم بهذا الكلام قالوا لها : أنت تعرفين هذا الغلام؟ قالت : لا ، غير أنى أعلم من هذا البيت الحرص على التقرب
__________________
(١) طه : ٣٩
(٢) طه : ٤٠
(٣) طه : ٤٠
(٤) القصص : ١٣ ، وفى طه (٤٠) : فرجعناك إلى أمك.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
