فإن قلت : ما مناسبة هذه الآية لقوله تعالى : (إِنَ (١) الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) ، وختم آية النحل بقوله : (إِنَ (٢) اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)؟
والجواب أنه تقدم آية إبراهيم : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً ...) إلى قوله (٣) : (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) ، فناسبه ما ذكره تعالى من توالى إنعامه وذرور إحسانه ، ومقابلة ذلك من العبيد بالتبديل ، وجعل الأنداد وصف الإنسان بأنه ظلوم كفار. وأما آية النحل فلم يتقدمها غير ما نبّه سبحانه لعباده المؤمنين من توالى آلائه وإحسانه وما ابتدأهم به من نعمه من لدن قوله : (خَلَقَ (٤) الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ) ؛ فذكر بضعا وعشرين من أمهات النعم إلى قوله ـ منها وموقظا من الغفلة والنسيان : (أَفَمَنْ (٥) يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) ، فناسب ختام : (وَإِنْ (٦) تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) بالغفران. فانظر هذا اللطف الجميل بعباده والتناسب الواضح.
(وَتَبَيَّنَ (٧) لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ) : يفهم من هذه الآية أنّ التواتر يفيد العلم ؛ لأنهم لم يتبيّن لهم ذلك إلا بالإخبار عن الأمم السابقة.
(وَلِيَعْلَمُوا (٨) أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ...) الآية : تفيد أنّ الوحدانية تثبت بالسمع ، وهو أحد القولين عند الأصوليين ، وأتت هذه الآية بالتعرى من تاء التفعل لتقدّمها قوله تعالى : (وَلِيُنْذَرُوا (٩) بِهِ وَلِيَعْلَمُوا) ، وقد عريت الكلمتان من حروف الشدة ، فعطف عليه : (وَلِيَذَّكَّرَ) ؛ لأن جميعها من الرخوة بخلاف آية ص (١٠) ، فإن قبلها وليدبروا ، وفيه حرفان من حروف
__________________
(١) إبراهيم : ٣٤
(٢) النحل : ١٨
(٣) إبراهيم : ٢٨ ـ ٣٤
(٤) النحل : ٤
(٥) النحل : ١٧
(٦) النحل : ١٨
(٧) إبراهيم : ٤٥
(٨) إبراهيم : ٥٢
(٩) إبراهيم : ٥٢
(١٠) آية ص : ٢٩ : «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ».
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
