وبعضهم ترك الدعاء لعلمه بأن الله لا يغفل عنه ، واشتغل بذكره ، للحديث القدسى : من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلون ؛ ولهذا أشار ابن عطاء الله بقوله : طلبك منه اتهام له ... الخ. وبعضهم لم يرفع رأسه للدعاء حياء منه. وبعضهم قال : الدعاء تحكّم على الله ، وقد سبق تقديره قبل وجودى ؛ فإن سبق سعادتى فأناله ، وإن لم يسبق فكيف أطلب منه ما لم يرد. وبعضهم دعاه فى الشدة ، وأعرض عنه فى الرخاء ؛ وهذا حالنا كما قال سبحانه (١) : (فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا). وبعضهم قال : لا أقول نحن ؛ لأن الملائكة قالت : نحن نسبّح [٢٢١ ب] بحمدك ، فلم يرض الله منهم ، وإبليس قال : أنا ، فلعنه الله. وفرعون قال : أليس لى ملك مصر ؛ فأغرقه الله. وقارون قال : عندى ؛ فخسف الله به الأرض.
وأعلى من هؤلاء من امتثل أمر ربه فى الدعاء ، ورأى نفسه عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ؛ وإنما قام بحقّ الربوبية ، فطلبه لمحبّته فى الطلب ، وفوّض الأمر له ؛ كما قال بعضهم لما قيل له : سل تعط ، فقال : عالم من جميع الوجوه يقول لجاهل من جميع الوجوه : سل تعط ، لا أعلم ما يصلح بى ؛ ولكن يختار هو لى ؛ ولهذا قال ابن عطاء الله : لا يكن طلبك تسبّبا إلى العطاء منه ، فيقلّ فهمك عنه ، وليكن طلبك لإظهار العبودية ، وقياما بحقوق الربوبية.
فإن قلت : إذا سبق العطاء منه فما فائدة الطلب؟ وقد أعطانا بغير سؤال؟
فالجواب إذا سبق فى أزله العطاء وفّق عبده لطلبه ، فيجيب ؛ ويفرح العبد بذلك ، ولو أعطاك بغير سؤال لطمع الكافر والمؤمن.
__________________
(١) الزمر : ٤٩
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
