مِثْلُكُمْ) ؛ فإنه تقرير لمقالتهم ، وتثبيت لها ، والمقرّ لمقالة خصمه يقبل عليه بالجواب ؛ لأنه لم يبطل كلامه بالإطلاق ؛ بل يقرّره ويزيد فيه زيادات تبطل دعوى خصمه.
فإن قلت : لم جمع السبل فى قوله تعالى (١) : (وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) ، وقد ذكرتم غير مرة أن طريق الهدى واحدة؟
فالجواب أنه على التوزيع ؛ فلكلّ رسول طريق باعتبار شريعته وأحكامه ؛ قال تعالى (٢) : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً).
(قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ)(٣) : المراد به مكة ؛ وهذا الدعاء وقع من إبراهيم حين خلّف هاجر (بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)(٤) ، فنفى القليل والكثير ؛ والمراد ليس فى لحم ولا شجر ولا ماء.
فإن قلت : آية البقرة مدنيّة (٥) ، وآية إبراهيم مكّية ، والقاعدة أنّ الاسم إذا كرّر ذكره يأتى أو لا منكّرا وثانيا معرفا.
والجواب أن الإنسان إذا دعا أولا إنما يدعو لشخص معيّن يقصده ويعيّنه فى ذهنه ، فإذا أراد الدعاء يعيد نكرة أو معرفة أو كيف ما كان ، اكتفاء بحصول تعيينه أولا. وقيل : هذا تأكيد ؛ هذا إذا قلنا إن المنزل أولا هو المدعو به ثانيا ؛ لأنّ الاسم إذا تقدم نكرة ثم يعاد فإنما يعيده معرّفا ؛ قال تعالى (٦) : (كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً. فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ).
فإن قلت : القاعدة أن يكون المبتدأ معلوما وخبره مجهولا ، والبلد فى هذه الآية أصله قبل دخول الفعل عليه مبتدأ ، لأنه نعت لهذا ، ونعت المبتدأ
__________________
(١) إبراهيم : ١٢
(٢) المائدة : ٤٨
(٣) إبراهيم : ٣٥
(٤) إبراهيم : ٣٧
(٥) البقرة : ١٢٦
(٦) المزمل : ١٥ ، ١٦
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
