كان يقدّره : أهم جاهلون بمن هو قائم؟ ومنهم من قدّره : أهم غافلون عمن هو قائم؟ وهو الصواب ؛ قال : وهل هذا من العمومات المخصوصة أو لا؟ قال : إن قلنا إن ذات البارى تعالى لا يطلق عليها نفس فيكون عامّا باقيا على عمومه ، وإن جوّزنا الإطلاق ؛ لقوله تعالى (١) : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) ؛ فيكون هذا مخصوصا بالبارى جلّ وعلا ؛ إذ لا يقال إنه حفيظ على نفسه.
قيل : بما كسبت بدل على التخصيص. وقيل : بل هو متعلق بقائم ، وليس بصفة للنفس. والكسب : الصواب تفسيره بما قاله أهل السنة ؛ لأن الأصل عدم النقل ، ومعنى قائم أى حفيظ ورقيب وعالم.
(قالَتْ رُسُلُهُمْ : أَفِي اللهِ شَكٌّ)(٢) : أى فى ألوهية الله شكّ؟ وقال الفارسى : أفى وحدانية الله شكّ ، وإنما قرّره الفارسى هكذا ؛ لأن أول ما يحضّ الرسل قومهم على اعتقاد وحدانية الله ، بخلاف الألوهية ؛ إذ لم يخالف فيها أحد ؛ وقد خالف فيها المجوس الذين عبدوا الشمس وإن عبدوها فلم ينكروا البعث بدليل (٣) : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ). والدهرية ؛ قالوا (٤) : (ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا). وكان بعضهم يقول فى هذه الآية : انظر كلامهم ؛ جعلوا أنفسهم مظروفين فى الشك ، والشكّ ظرفا لهم ، وكلام الرسل جعلوا الشك مظروفا فى أمر الله ؛ أى فى شأن الله ، وجعلوا شأن الله ظرفا له ؛ وقالوا : هذا لوجهين : نقلىّ وعقلى ، أما النقليّ فلأنّ الظرف أوسع من المظروف ، فالشكّ محيط بالكفّار من جميع الجهات ، وهم مفتقرون إليه ؛ إذ المتحيز مفتقر إلى الحيّز ، والحالّ مفتقر إلى المحلّ لا بدّ منه. وقول الرسل : أفى الله شكّ ـ جعلوا الشكّ متحيزا حالّا فى أمر الله ، فأمر الله أعلى منه
__________________
(١) المائدة : ١١٦
(٢) إبراهيم : ١٠
(٣) الزخرف : ٨٧
(٤) الجاثية : ٢٤
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
