خيرا بهذه الخليفة ، وخصوصا بهذه الأمة ، فاخفضوا لها جناح الذّل من الرحمة ، ولا توحشوها ما أنستها من ربّها ونبيها ، وعاملوا الكلّ على الإطلاق بمكارم الأخلاق ؛ صلوا من قطعكم ، وأعطوا من حرمكم ، واعفوا عمن ظلمكم ؛ وإن لم يكونوا لها أهلا فكونوا أنتم لها أهلا.
(قالَ : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ)(١) ؛ أى قال يوسف لأخيه : إنى أنا أخوك واستكتمه الأمر. وحبسه بتهمة السرقة ، فكتب إليه يعقوب وقال لموصله : انظره ، فإن نظر فيه وتغيّر لونه فاعلم أنه يوسف ؛ ثم قال له فى كتابه : إن الله اصطفاك فاستحال عليك اسم السرقة ، كذلك من اصطفاه الله يستحيل أن تنسبه إلى السرقة ، فلما نظر يوسف إلى الكتاب تغيّر لونه ، فقال للرسول : مثل هذا الكتاب لا يقرأ إلا فى الخلوة ، ثم قرأه وبكى كما قدمنا.
وأنت يا محمدىّ اصطفاك ربّك فى الأزل ، وأخرجك فى خير الملل ، وبعث إليك خاتم الأنبياء والرسل ، وخاطبك بكتابه الذى ليس له مثل ، فامتهنته ولم تلتفت إليه ؛ بل وصفت نفسك بشرّ الخصال ، وعرّجت عليه كأنك لم تصدّق بالمآل ، ولم تعرف أنك تعرض عليه عند الموت ويوم السؤال ، وتطلب ـ مع هذا الجور والقصور ـ بالتنعم باللذات والحبور ؛ أنت تعلم ما تقاسى على صفة منتنة ، وما تحتاج إليه من مئونة ، وتريد الوصول إلى الجوارى الحسان اللاتى لم يطمثهنّ إنس ولا جان ؛ هؤلاء الملائكة مع جليل قدرهم ، وكثرة عبادتهم ، يقولون يوم القيامة : سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك ، ولو استكثرت أعمالها لتباعدت من خالقها ؛ يقول تعالى فى بعض كتبه : أيطلب أحدكم الجنة بقيام الليل ، والحارس يحرس ليلة بدانقين (٢) ، فكيف يمنّ علىّ بليلة ، وهى تساوى
__________________
(١) يوسف : ٦٩
(٢) الدانق ـ كصاحب : سدس الدرهم ، وتفتح نونه (القاموس).
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
