فإن قلت : قد قال الله تعالى (١) : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ). وفى قراءة أبىّ : وهو أب لهم ـ فما فائدة هذا النهى؟
فالجواب أنه أولى بهم من أنفسهم فى شفقته عليهم وإنقاذهم من النار. ألا ترى أنه فى الدنيا قال : «أمّتى أمتى». وفى الحشر : «لا أسألك فاطمة ابنتى ولا نفسى ، وإنما أسألك أمتى». وفى الصراط : «اللهم سلّم أمتى». وفى الحساب : «لا تفضح أمتى». وفى الميزان «يا إسرافيل أرجح لأمتى». ولا يرضى صلىاللهعليهوسلم أن يبقى أحد من أمته فى النار. فيجب علينا حبّه أكثر من أنفسنا ، وننصر دينه ، ونترك حمية أنفسنا ، ونجعل لأزواجه الرضا والمبرة أكثر من أمهاتنا ، وإن أوجب الله عليهم حجبهن عنا فلعظيم حرمتهنّ.
وأما كونه أبا لنا فالأولى نسبتنا لآبائنا ، كما قال تعالى (٢) : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ...) الآية ؛ وسيأتى سرّ نسبتنا إلى أبينا إبراهيم ؛ وذلك أنه أمر بذبح ولده ، فقال (٣) : (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ؛ فقال الله : يا إبراهيم أرسلتك بالمشاورة ، فبعزّتى إن نظرت إلىّ دون الولد ، وقطعت عنه قلبك ، وسلّمت لأمرى لأجعلن أمة محمد أولادك. قال تعالى (٤) : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ).
وأما محمد صلىاللهعليهوسلم فلم ينظر إلى شىء دون الله البتة : ليلة المعراج عرض عليه جميع الأشياء فلم يلتفت إلى شىء دونه ؛ وهذا قوله : «(ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) ، فلما لم ينظر عليهالسلام إلى شىء دونه قطع عنه نسب المخلوقين» ؛ قال تعالى (٥) : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) ؛ ولو كان النبى أبانا انقطع عنا لجرمنا ،
__________________
(١) الأحزاب : ٦
(٢) الأحزاب : ٥
(٣) الصافات : ١٠٣
(٤) الحج : ٧٨
(٥) الأحزاب : ٤٠
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٢ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4332_mutarak-alaqran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
