أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه ، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها ؛ وكالملاحة. وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت ؛ ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطر السليمة إلا بإتقان علمى المعانى والبيان والتمرين فيهما.
وقال الأصبهانى فى تفسيره (١) : اعلم أن إعجاز القرآن ذكر من وجهين : أحدهما إعجاز يتعلق بنفسه. والثانى بصرف الناس عن معارضته ؛ فالأول إما أن يتعلق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه. أما الإعجاز المتعلق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلق بعنصره الذى هو اللفظ والمعنى ، فإن ألفاظه ألفاظهم ؛ قال تعالى (٢) : (قُرْآناً عَرَبِيًّا). «(٣) (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ). ولا بمعانيه ؛ فإن كثيرا منها موجود فى الكتب المتقدمة ؛ قال تعالى (٤) : (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ). وما هو فى القرآن من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد ، والإخبار بالغيب ؛ فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن ؛ بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلم ، ولكون الإخبار بالغيب إخبارا بالمغيب سواء كان بهذا النظم أو بغيره موردا (٥) بالعربية أو بلغة أخرى ، بعبارة أو إشارة ؛ فإذا فالنظم المخصوص صورة القرآن ، واللفظ والمعنى عنصره ؛ وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره ، كالقرط والخاتم والسوار ، فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها ، لا بعنصرها الذى هو الذهب والفضة والحديد ؛ فإن الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمى خاتما ، وإن كان العنصر مختلفا. وإن اتخذ خاتم وقرط وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها وإن كان العنصر واحدا. قال : فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن يتعلق بالنظم المخصوص.
__________________
(١) الإتقان : ٤ ـ ١٠.
(٢) يوسف : ٢.
(٣) الشعراء : ١٩٥.
(٤) الشعراء ١٩٦.
(٥) فى الإتقان : مؤدى.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
