تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا). فإنه لو اقتصر على قوله : «لم تؤمنوا» لكان منفّرا لهم ؛ لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا ، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ؛ ليعلم أن الإيمان موافقة القلب اللسان ، وإن انفرد اللسان بذلك يسمى إسلاما ، ولا يسمى إيمانا. وزاد ذلك أيضا بقوله (١) : (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ). فلما تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن.
ومثال الاستثناء (٢) : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) ؛ فإن الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهد عذر نوح فى دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم ؛ إذ لو قيل : فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما لم يكن فيه من التهويل ما فى الأول ؛ لأن لفظة الألف فى الأول أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام. وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف.
الاقتناص
ذكره ابن فارس (٣) : وهو أن يكون كلام فى سورة مقتنصا من كلام فى سورة أخرى أو تلك السورة ؛ كقوله تعالى (٤) : (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ). والآخرة دار ثواب لا عمل فيها ؛ فهذا مقتنص
__________________
(١) الحجرات : ١٤
(٢) العنكبوت : ١٤
(٣) الصاحبى : ٢٠١ ، وقد سماه ابن فارس الاقتصاص ، وكذلك سمى فى الإتقان (٣ ـ ٢٦٤). وتبعا لذلك ففي المرجعين السابقين جاء التعبير عنه فى الشرح الآتى : مقتصا ، ومقتص فى العبارة الآتية.
(٤) العنكبوت : ٢٧
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
