أنه (١) بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه ؛ وذلك أن الله أحاط بكل شىء علما ، وأحاط بالكلام [١٧] كلّه علما ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أىّ لفظة تصلح أن تلا الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ؛ ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره. والبشر محل الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك ؛ فلذلك جاء نظم القرآن فى الغاية القصوى من الفصاحة ؛ وبهذا يبطل من قول من قال : إن العرب كان فى قدرتها الإتيان بذلك ، فصرفوا عن ذلك.
والصحيح أنه لم يكن فى قدرة أحد قط ؛ ولهذا ترى البليغ ينقّح القصيدة أو الخطبة حولا ، ثم ينظر فيها ، ثم يغير فيها ، وهلّم جرّا. وكتاب الله سبحانه لو برعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ؛ ونحن تتبين لنا البراعة فى أكثره ، ويخفى علينا وجهها فى مواضع ؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ فى سلامة الذوق وجودة القريحة. وقامت الحجة على العالم بالعرب ؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة (٢) المعارضة ، كما كانت الحجة فى معجزة موسى بالسحرة ، وفى معجزة عيسى بالأطباء ؛ فإن الله إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع (٣) ما تكون فى زمان النبى الذى أراد إظهاره ؛ فكان السحر فى (٤) مدة موسى إلى غايته ، وكذلك الطب فى زمان عيسى ، والفصاحة فى زمان محمد صلىاللهعليهوسلم.
وقال حازم (٥) فى منهاج البلغاء : وجه الإعجاز فى القرآن من حيث استمرت
__________________
(١) أنه : أى الإعجاز.
(٢) فى الاتقان ، والبرهان : ومظنة. والمثبت فى ا. ب.
(٣) فى البرهان : أبرع ما تكون.
(٤) فى الاتقان ، والبرهان. قد انتهى فى مدة موسى ..
(٥) هو حازم بن محمد القرطاجني توفى سنة ٦٨٤ (بغية الوعاة : ٢١٤)
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
