وروى مثله عن سعيد بن جبير ، ووهب بن منبه ؛ فهذه إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ فى القرآن أنه حوى علم الأولين والآخرين ، ونبأ كل شىء ؛ فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ؛ لتتم إحاطته بكل شىء ، فاختير من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب.
وأيضا فإن النبى صلىاللهعليهوسلم أرسل إلى كل أمة ، وقد قال تعالى (١) : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ) ؛ فلا بد أن يكون فى الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم ، وإن كان أصله بلغة قومه هو.
وقد رأيت الحوفى (٢) وابن النقيب ذكره ، وذكر لوقوع المعرب فى القرآن فائدة أخرى ؛ فقال : إن قيل إن «إستبرق» ليس بعربى ، وغير العربى من الألفاظ دون العربى فى الفصاحة والبلاغة ، فنقول : لو اجتمع فصحاء العالم وأرادوا أن يتركوا هذه اللفظة ويأتوا بلفظ يقوم مقامها فى الفصاحة لعجزوا عن ذلك ؛ وذلك لأن الله تعالى إذا حثّ عباده على الطاعة فإن لم يرغّبهم بالوعد الجميل ويخوّفهم بالعذاب الوبيل ـ لا يكون حثّه على وجه الحكمة ؛ فالوعد والوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب. ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء ؛ وذلك منحصر فى أمور الأماكن الطيبة ، ثم المآكل الشهية ، ثم المشارب الهنيّة ، ثم الملابس الرفيعة ، ثم المناكح اللذيذة ، ثم ما بعده مما تختلف فيه الطباع. فإذا ذكر الأماكن الطيبة والوعد به لازم عند الفصيح ؛ ولو تركه لقال من أمر بالعبادة ووعد عليها بالأكل والشرب : إن الأكل والشرب لا التذاذ به ، إذا كنت فى حبس أو موضع كريه ؛ فلذا ذكر الله الجنة ومساكن طيبة فيها ، وكان ينبغى أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها ، وأرفع الملابس فى الدنيا الحرير
__________________
(١) إبراهيم : ٤
(٢) فى الاتقان : الخويى. والمثبت فى ا ، ب.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
