فإن قلت : هل للمحكم على المتشابه مزيّة أم لا؟ فإن قلتم بالثانى فهو خلاف الإجماع ، أو بالأول فقد نقضتم أصلكم فى أن جميع [٢٨ ا] كلامه سبحانه سواء ، وأنه منزل بالحكمة.
وأجاب أبو عبد الله البكرآباذي (١) بأن المحكم كالمتشابه من وجه ، ويخالفه من وجه ؛ فيتفقان فى أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع ، وأنه لا يختار القبيح. ويختلفان فى أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد ، فمن سمعه أمكنه أن يستدل به فى الحال. والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر (٢) ، ليحمله على الوجه المطابق ، ولأن المحكم أصل ، والعلم بالأصل أسبق ، ولأن المحكم يعلم مفصلا ، والمتشابه لا يعلم إلا مجملا.
[لما ذا اشتمل القرآن على المتشابه]
فإن قلت : وقد أراد الحق البيان والهدى لعباده ، وأمر بذلك رسوله فى قوله : ليبيّن للناس ما نزّل إليهم.
والجواب أن له فوائد :
أحدها الحث للعلماء على النظر فيه الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه ، فإن استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب إن كان مما يمكن علمه.
وثانيها إظهار التفاضل وتفاوت الدرجات ؛ إذ لو كان القرآن كله محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ، ولم يظهر فضل العالم على غيره.
وإن كان مما لا يمكن علمه فله فوائد : منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده
__________________
(١) البرهان : ٢ ـ ٧٦. وفى اللباب : هذه النسبة إلى محلة معروفة بجرجان ، يقال لها بكراباذ ، وقد ينسب إليها البكراوى.
(٢) فى البرهان : والمتشابه يحتاج إلى ذكر مبتدأ ونظر مجدد عند سماعه ليحمله ...
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
