ثم أورد سؤالا ؛ وهو أنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان ؛ فنذهب بهم هذا الذهب من صنعة الكلام.
وأجاب بأن جميع ما ورد فى القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرّب عن معانيهم ، وليس هو بحقيقة ألفاظهم. ولهذا لا يشك أن قوله تعالى (١) : (قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى) ـ إن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم.
[موضع الإعجاز من القرآن]
قال أبو حيان التوحيدى (٢) : سئل بندار (٣) الفارسى عن موضع الإعجاز من القرآن (٤). فقال : هذه مسألة فيها حيف على المفتى ؛ وذلك أنه شبيه بقولكم (٥) موضع الإنسان من الإنسان ، فليس للإنسان موضع من الإنسان ، بل متى أشرت إلى جملته فقدت (٦) حقيقته ودللت على ذاته ؛ كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شىء منه إلا وكان ذلك المعنى آية فى نفسه ومعجزة لمحاوله ، وأهدى (٧) لقائله ؛ وليس فى طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله فى كتابه ؛ فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده.
[فائدة ذكر وجوه الإعجاز]
فإذا علمت عجز الخلق عن تحصيل وجوه إعجازه فما فائدة ذكرها؟ لكنا نذكر بعضها تطفلا على من سبق ، فإن كنت لا ممن أجول فى ميدانهم ، ولا أعدّ
__________________
(١) طه : ٦٣.
(٢) البرهان : ١ ـ ١٠٠.
(٣) فى ب : أبو بندار.
(٤) فى البرهان : لم أسمع كلاما ألصق بالقلب ، وأعلق بالنفس من فصل تكلم به.
(٥) فى البرهان : ما وضع.
(٦) فى البرهان : فقد حققته.
(٧) فى البرهان : وهدى.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
