والإنسان تختلف أحواله فتسعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه ، وتتعذر عليه عند الانقباض ؛ وكذلك تختلف أغراضه فيميل إلى الشيء مرة ويميل عنه أخرى ، فيوجب ذلك اختلافا فى كلامه بالضرورة ، فلا يصادف إنسان يتكلم فى ثلاث وعشرين سنة ـ وفى مدة (١) نزول القرآن ـ فيتكلم على غرض واحد ومنهاج واحد.
وقد كان النبى صلىاللهعليهوسلم بشرا تختلف أحواله ؛ فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
[هل غير القرآن معجز؟]
فإن قلت : هل يقال إن غير القرآن من كلام الله معجز ؛ كالتوراة والإنجيل؟
فالجواب ليس شىء من ذلك معجزا فى النظم والتأليف ، وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار بالغيوب. وإنما لم يكن معجزا لأن الله لم يصفه بما وصف به القرآن ، ولأنّا قد علمنا أنه لم يقع التحدى إليه كما وقع فى القرآن ؛ ولأن ذلك اللسان لا يتأتى فيه من وجوه الفصاحة ما يقع به التفاضل الذى ينتهى إلى حد الإعجاز.
وقد ذكر ابن جنى فى الخاطريات فى قوله تعالى (٢) : (يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى) أن العدول عن قوله : وإما أن نلقى لغرضين : أحدهما ـ لفظى ، وهو المزاوجة لرءوس الآى. والثانى ـ معنوى ، وهو أنه تعالى أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم على موسى ؛ فجاء عنهم باللفظ [١٤] أتم وأوفى منهم (٣) فى إسنادهم الفعل إليه.
__________________
(١) فى الإتقان : وهى مدة ...
(٢) طه : ٦٥.
(٣) فى الإتقان : منه.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
