بهذه الصّفات المذكورة فيما بعد ، لكانوا قد فعلوا الواجب ، فلمّا راجعوا (١) تغيّرت المصلحة ، فأمروا بذبح بقرة غير فارض ولا بكر من غير مراعاة الصّفات الباقية ، فلمّا توقّفوا أيضا تغيّرت المصلحة في تكليفهم ، فأمروا بذبح بقرة صفراء فاقع لونها ، فلمّا توقّفوا تغيّرت المصلحة ، فأمروا بذبح بقرة لها الصّفات الأخيرة المذكورة (٢) ، وإنّما يكون ذلك حجّة في تأخير البيان لو صحّ لكم أنّ الصّفات الواردات كلّها للبقرة الأولى ، وما أنكرتم أن يكون الأمر بخلاف ذلك؟
قلنا : هذا تأويل (٣) من لا يعرف حكم اللّغة العربيّة وما جرت به عادة أهلها في خطابهم وكناياتهم ، لأنّ الكناية في قوله تعالى : (ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ) لا يجوز عند محصّل (٤) أن يكون كناية إلّا عن البقرة الّتي تقدّم ذكرها وأمروا (٥) بذبحها ، ولم يجز في الكلام ما يجوز أن تكون هذه الكناية كناية عنه إلّا البقرة ، و (٦) يجري ذلك مجرى قول أحدنا لغلامه : «أعطني تفّاحة» فيقول غلامه : «ما هي بيّنها لي؟» ، ولا يصرف أحد من العقلاء هذه الكناية إلّا إلى التفّاحة المأمور بإعطائها إيّاه.
ثمّ قال تعالى بعد ذلك : (إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) ، وقد علمنا أنّ الهاء في قوله : (إِنَّهُ يَقُولُ) هي كناية عنه تعالى ، لأنّه لم يتقدّم ما يجوز ردّ هذه الكناية إليه إلّا اسمه تعالى ، فكذلك يجب أن يكون قوله : (إِنَّها) كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها ، وإلّا فما الفرق بين الأمرين؟
__________________
(١) في المصدر : فلمّا توقّفوا وراجعوا.
(٢) في المصدر : فأمروا بذبح ما له كلّ الصّفات.
(٣) في المصدر : هذا سؤال من لا يعرف عادة أهل اللّغة في كناياتهم.
(٤) في المصدر : عند متأمّل.
(٥) في المصدر : لأنّه لم يجر ذكر لغيرها ، فيكنّى عنه.
(٦) في المصدر : ولا يجوز على ما ذهب القوم إليه أن تكون كناية عن البقرة الّتي يريد تعالى أن يأمرهم بذبحها ثانيا ، لأنّهم لا يعرفون ذلك ، ولا يخطر لهم ببال ، فكيف يسألون عن صفة بقرة لا يعلمون أنّهم يؤمرون بذبحها؟
![العدّة في أصول الفقه [ ج ٢ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4329_aloddate-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
