وذهب كثير من البغداديّين ، وطائفة من أصحابنا الإماميّة إلى أنّها على الحظر ، ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء (١).
وذهب أكثر المتكلّمين من البصريّين ، وهي المحكيّ عن أبي الحسن وكثير من الفقهاء إلى أنّها على الإباحة (١) ، وهو الّذي يختاره (٢) سيّدنا المرتضى (٣) رحمهالله.
وذهب كثير من النّاس إلى أنّها على الوقف (١) ، ويجوّز كلّ واحد من الأمرين فيه ، وينتظر ورود السّمع بواحد منهما ، وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد الله رحمهالله (٤) وهو الّذي يقوى في نفسي.
والّذي يدلّ على ذلك : أنّه قد ثبت في العقول أنّ الإقدام على ما لا يؤمن المكلّف كونه قبيحا ، مثل إقدامه على ما يعلم قبحه ، ألا ترى أنّ من أقدم على الإخبار بما لا يعلم صحّة مخبره ، جرى في القبح مجرى من أخبر مع علمه بأنّ مخبره على خلاف ما أخبر به على حدّ واحد ، وإذا ثبت ذلك وفقدنا الأدلّة على حسن هذه الأشياء قطعا ينبغي أن نجوّز كونها قبيحة ، وإذا جوّزنا ذلك فيها قبح الإقدام عليها.
فان قيل : نحن نأمن من قبحها ، لأنّها لو كانت قبيحة لم تكن إلّا لكونها مفسدة ، لأنّه ليس لها جهة قبح يلزمها مثل الجهل ، والظّلم ، والكذب ، والعبث وغير ذلك ، ولو كانت قبيحة لمفسدة لوجب على القديم أن يعلمنا ذلك وإلّا قبح التّكليف ، فلمّا لم يعلمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك ، وذلك يفيدنا الإباحة.
قيل : لا تمتنع أن تتعلّق المفسدة بإعلامنا جهة الفعل على التّفصيل فيقبح
__________________
(١) المعتمد ٢ : ٣١٥ ، التبصرة : ٥٣٢ ، الذّريعة ٢ : ٨٠٨ ، اللّمع : ١١٦ ، شرح اللّمع ٢ : ٩٧٧.
(٢) اختاره.
(٣) الذريعة ٢ : ٨٠٩ ـ ٨٠٨.
(٤) قال الشّيخ المفيد ـ رحمهالله ـ [التذكرة بأصول الفقه : ٤٣] : «إنّ العقول لا مجال لها في العلم بإباحة ما يجوز ورود السّمع فيها بإباحته ، ولا بحظر ما يجوز وروده فيها بحظره ، ولكن العقل لم ينفكّ قطّ من السّمع بإباحة وحظر ، ولو أجبر الله تعالى العقلاء حالا واحدة من سمع لكان قد اضطرّهم إلى مواقعة ما يقبح في عقولهم من استباحة ما لا سبيل لهم إلى العلم بإباحته من حظره وألجأهم إلى الحيرة الّتي لا تليق بحكمته».
![العدّة في أصول الفقه [ ج ٢ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4329_aloddate-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
