وفي النّاس من قال : إذا عدم التاريخ ، فالواجب أن يرجع في الأخذ بأحدهما إلى دليل ويجريهما مجرى عامّين تعارضا (١) ، وهو مذهب عيسى بن أبان ، وأبي الحسن الكرخي (٢).
والّذي يدلّ على صحّة المذهب الأوّل : أنّ من حقّ من ثبتت حكمته أن لا يلغي كلامه إذا أمكن حمله على وجه يفيد ، وإذا صحّ ذلك ، فمتى أوجبنا استعمال العام لأدّى إلى إلغاء الخاصّ ، ومتى استعملنا الخاصّ لم يوجب إطراح العام ، بل يوجب حمله على ما يصحّ أن يريده الحكم ، فوجب بهذه الجملة بناء العام على الخاصّ.
ونظير ذلك : ما روي عنه عليهالسلام أنّه قال : «في الرّقة ربع العشر» (٣) فكان هذا عاما في قليله وكثيرة ، ثمّ قال : «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» (٤) فأوجب هذا أنّ ما نقص عن خمسة أواق ليس فيه (٥) صدقة ، وهو أخصّ من الأوّل.
فلو عملنا بموجب الخبر الأوّل لاحتجنا إلى إسقاط الخبر الأخير ، ومتى استعملنا الأخير أمكننا استعمال الأوّل على ما يطابقه.
فان قيل : هلّا حكمتم فيهما بالتّعارض كالعمومين؟ ، لأنّ ما تناوله الخاصّ قد
__________________
وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أنّ العام لا يبنى على الخاصّ بل يقضي العام على الخاصّ.
(١) وهنا مذهب ثالث وهو : أنّ العام والخاصّ إذا تعارضا ولم يعرف تاريخ صدورهما ، وارتفع العلم بتقدّم أحدهما أو تأخّره ، وجب التّوقّف فيهما ، ولا يعمل بواحد منهما ، بل يسقطان ويجب الحكم من دليل آخر.
(انظر : شرح اللّمع ١ : ٣٦٣) وهذا قول القاضي أبي بكر الباقلاني ، وبعض المتكلّمين من العامّة. وذهب إليه الشّيخ المفيد ـ من الإماميّة ـ (وتبعه الشّريف المرتضى). لكنّه قيّد هذا التّفوق بما إذا لم يمكن الجمع بينهما. انظر : «التذكرة : ٣٦ ، الذريعة : ١ ـ ٣١٥».
(٢) انظر «الذريعة : ١ : ٣١٥ ، ميزان الأصول ١ : ٤٧٧ ، التبصرة : ١٥٣ ، المعتمد ١ : ٢٦٢ ـ ٢٥٦ ، شرح اللّمع ١ :٣٦٢» وقد نسب الشّيرازي هذا الرّأي لأبي عبد الله الحسين بن علي البصري الملقّب بالجعل.
(٣) مسند أحمد بن حنبل ١ : ١٢.
(٤) صحيح البخاري : كتاب الزكاة ، باب زكاة الورق حديث رقم ٤٩.
(٥) زيادة في الأصل.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
