قيل لهم : هذا محض الدّعوى ، ومن أين أنّهم علموا أنّ حكم فاطمة حكم غيرها على حدّ واحد إلّا بعموم القرآن؟ ولذلك صرّح (١)* بهذا التّعليل عمر ، ولو كان ذلك معلوما بغير عموم القرآن لكان يقول قد علمنا أنّ حكمك في هذا الباب حكم غيرك من النّساء ، ولا يحتاج أن يقول : «ولا ندع كتاب ربّنا بقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت» ، وذلك يسقط هذا السّؤال.
ثمّ يقال لهم : أليس قد قبل أهل قباء خبر الواحد (٢) فيما طريقه النّسخ وانتقلوا بذلك عن القبلة الّتي كانوا عليها ، ولم يدلّ ذلك على جواز النّسخ بخبر الواحد؟
فإن قالوا : إنّما قبلوا ذلك بدليل دلّهم على ذلك دون مجرّد الخبر.
قيل لهم مثل ذلك في الأخبار الّتي تعلّقوا بها.
فإن قالوا : أليس خبر الواحد قد قبل فيما يقتضي العقل خلافه ، فما المنكر من أن يجوز قبوله فيما يقتضي عموم القرآن خلافه؟
قيل لهم : هذا إنّما يمكن أن يستدلّ به على من أبى من تخصيص العموم به عقلا ، فيقال له : إذا جاز الانتقال عمّا يقتضي العقل خلافه بخبر الواحد ، جاز أن ينتقل عمّا يقتضيه العموم بمثل ذلك.
فأمّا من أجاز ذلك عقلا وإنّما امتنع منه لفقد (٣) الدّلالة عليه ، فهذا السّؤال ساقط عنه ، وإنّما ينبغي أن يتشاغل بأنّ هاهنا دليلا يدلّ على جواز تخصيص العموم به ، وهو نفس المسألة الّتي اختلفنا فيها.
على أنّ مثل هذا يمكن أن يقال في جواز النّسخ به ، لأنّ الانتقال عن موجب العقل من حظر إلى إباحة ، أو من إباحة إلى حظر في معنى النّسخ وإن لم يسمّ نسخا ،
__________________
(١) * وحاصله أنّه لو كان ردّه لعلمهم بالاتّحاد في الحكم لوجب عليه التّصريح به في الرّد لأنّ التّصريح بالمناط أهم ممّا ليس بمناط وهو منافاته للكتاب في الجملة إذ هو معلوم لكل أحد فلا حاجة إلى التّصريح به ، إنّما الحاجة إلى التّصريح بالمنافاة رأسا ببيان مناطه وهو الاتّحاد في الحكم.
(٢) انظر : «المعتمد ٢ : ١١٦».
(٣) فقد.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
