وذهب بعضهم إلى أنّ تخصيص العموم لا يقع بأدلّة العقل (١).
والّذي يدلّ على صحّة المذهب الأوّل ، أنّ هذه الأدلّة الّتي ذكرناها إذا كانت موجبة للعلم ومقتضية له وجب تخصيص العموم بها ، وإلّا تناقضت الأدلّة وذلك لا يجوز ، [و] لهذه الجملة خصّصنا قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)(٢) وحملناه على العقلاء ، لما دلّ دليل العقل على أنّ الأطفال (٣)* والمجانين ومن لا عقل له لا يحسن تكليفه.
وكذلك خصّصنا قوله تعالى : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)(٤) وقلنا : إنّ المراد به أفعال نفسه ، لما دلّ الدّليل على أنّ الواحد منّا فاعل ومحدث.
ويدلّ على ذلك أيضا : أنّ ظاهر الكتاب وحقيقته يترك إلى المجاز لدليل العقل ، كما تركنا ظاهر قوله : (وَجاءَ رَبُّكَ)(٥) ، وقوله : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ)(٦) ، وقلنا : إنّ المراد به أمر ربّك ، وأمر الله ، لما دل دليل العقل على أنّ المجيء لا يجوز على الله.
__________________
انظر : «المعتمد ١ : ٢٥٢ ، ميزان الأصول ١ : ٤٧٢ ـ ٤٦٧ ، التذكرة بأصول الفقه : ٣٨ ـ ٣٧ ، الذريعة ١ : ٢٧٨ ـ ٢٧٧».
(١) قال أبو الحسين البصري : إنّ المانعين عن تخصيص العموم بدليل العقل على قسمين :
١ ـ امتنع قوم من القول بأنّ أدلّة العقل تخصّ الكتاب ، وقالوا : إنّ العموم مرتّب عليها.
٢ ـ وقوم أطلقوا المنع من ذلك إطلاقا.
ولم يرد ذكر لأسماء هؤلاء المانعين ، إذ لعلّهم من شذوذ المتكلّمين المعمورين الّذين لا يعتدّ بآرائهم ، وقد وصفهم إمام الحرمين الجويني ب (بعض الناشئة).
انظر : «المعتمد ١ : ٢٥٢ ، ميزان الأصول ١ : ٤٦٧ والمصادر الواردة في الهامش».
(٢) النساء : ١.
(٣) * أي الّذين لا تمييز لهم منهم ومن لا عقل له ، تعميم بعد التخصيص ، ويشمل النائم والمغمى عليه.
(٤) الزمر : ٦٢.
(٥) الفجر : ٢٢.
(٦) البقرة : ٢١٠.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
