بالعدالة ، فمن ادّعى ذلك فعليه الدّلالة ، ونحن لو خلّينا والظّاهر لما قيّدنا الشّهادة المطلقة وتركناها على إطلاقها.
فإن قالوا : القرآن كلّه كالكلمة الواحدة ، وقد روي ذلك عن أمير المؤمنين عليهالسلام ، فيجب أن يكون المقيّد وإن انفصل من المطلق فكأنّه متّصل به ، ويصير ذلك بمنزلة قوله : (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ)(١) أنّه مقيّد بما تقدّم ، كأنّه قال : (والذّاكرات الله كثيرا).
قيل لهم : إذا سلّمنا ما ذكرته لم يجب ما ذهبت إليه ، لأنّ المطلق والمقيّد لو افترقا لما وجب تقييد المقيّد إذا كانا حكمين مختلفين.
يدلّ على ذلك أنّه لو قال : (مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)(٢) ، (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)(٣) لما وجب أن يكون الثّانية مقيّدة لأجل كون الأولى مقيّدة ، فالتّعلّق بقولهم : إنّ القرآن كالكلمة الواحدة لا معنى له.
فأمّا قوله تعالى : (وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ) فإنّما حملناه على الأوّل لأنّه لا يستقلّ بنفسه ولا يفيد شيئا ، وإنّما حذف منه لفظ «الله» لدلالة الأوّل عليه اختصارا. وليس كذلك المطلق لأنّه مفيد ومستقلّ بنفسه فلا يحتاج إلى حمله على المقيّد بل ترك على حاله.
على أنّه يلزم من خالف فيما قلناه وجوّز تخصيص المطلق لمكان المقيّد أن يزيد في كفّارة القتل الإطعام ، لما كان ذلك ثابتا في كفّارة الظّهار ، وفي التيمّم مسح الرّأس والرّجلين لما كان ذلك ثابتا في الوضوء ، وغير ذلك من المواضع ، وذلك لا يرتكبه أحد.
فأمّا من حمل أحدهما على الآخر قياسا ، فعلى مذهب من أوجب القياس
__________________
(١) الأحزاب : ٣٥.
(٢) النساء : ٩٢.
(٣) المجادلة : ٣.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
