وإن قلنا : ليس بعضهم بذلك أولى من بعض ، كان ذلك رجوعا إلى دليل التّقسيم الّذي قدّمناه.
وقد استدلّ المخالف (١) على صحّة مذهبه بأن قال (٢) :
وجدت هذه الألفاظ تستعمل في الخصوص كما تستعمل في العموم ، بل استعمالها في الخصوص أكثر ، لأنّه ليس في جميع ألفاظ القرآن لفظة تفيد الاستغراق إلّا قوله : (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(٣) فوجب أن تكون اللّفظة مشتركة فيهما.
قيل له : قد بيّنا أنّ مجرّد الاستعمال لا يدلّ على الاشتراك ، لأنّ المجاز مستعمل كما أنّ الحقيقة مستعملة ، فلا يمكن أن يستدلّ بالاستعمال على واحد من الأمرين ، ويحتاج في إثبات أحدهما إلى الرّجوع إلى أمر آخر.
وأمّا قولهم : «إنّهم لم يجدوا في ألفاظ القرآن لفظة تفيد الاستغراق إلّا لفظة واحدة».
فليس إذا قلّ استعمال الحقيقة فيما هو حقيقة فيه وكثر استعماله في المجاز دلّ على أنّه ليس بحقيقة فيه ، ألا ترى أنّه لم تجر عادتهم في استعمال لفظ «الدّابة» في كلّ ما دبّ ، بل صار بالعرف لا يستعمل إلّا في دابّة بعينها ، ولا يدلّ ذلك على أنّهم لم
__________________
(١) وهؤلاء المخالفون هم الّذين يسمّون بأصحاب الوقف ، قال السمرقندي في (ميزان الأصول ١ : ٤١٠ ـ ٤٠٩) : «أمّا أصحاب الوقف فهم الّذين يتوقّفون في حقّ العمل والاعتقاد جميعا ، وهو مذهب ابن الراوندي ، ومحمّد بن شبيب ، وعامّة المرجئة ، وعامّة الأشعريّة ، وإليه مال أبو سعيد البردعي ـ من أصحابنا ـ وهم فريقان : فريق قالوا : لا حكم للفظ ما لمجرّد الصّيغة ما لم يقترن به قرينة ، بمنزلة الألفاظ المشتركة من القرط ، والعين ، والجارية ونحوها.
وقال بعضهم من أهل التّحقيق : إنّ ألفاظ العموم في أصل وضع اللّغة للعموم حقيقة ، ولكن لكثرة استعمالها في الخصوص صارت مشتركة في عرف الاستعمال».
(٢) انظر : «المعتمد ١ : ٢٢٣ ـ ٢٠٦ ، الأحكام : ٢ : ١٨٥ ، التبصرة : ١٠٥ ، ميزان الأصول ١ : ٤٠٩ ، الذريعة ١ : ٢٠١ ، روضة النّاظر : ١٩٦».
(٣) البقرة : ٢٨٢.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
