فإن ذكروا : أنّه يكون مخيّرا بين الفعل والعزم لا إلى غاية.
كان الكلام عليهم ما تقدّم (١) من أنّ في ذلك إفساد (٢)* التّكليف ، وأن يقتصر المكلّف من فعل الواجبات على العزم فحسب ، فلا يفعل شيئا منها ، وذلك خلاف المعقول والدّين جميعا.
فأمّا من قال هربا (٣)* من ذلك : أنّه يتعيّن الوقت عليه إذا غلب في ظنّه أنّه متى لم يفعل اخترم ، أو عجز عنه.
فإنّه يقال له : وأيّ إمارة توجب هذا الظنّ المدّعى؟ وذلك لا سبيل له إليه ، على أنّه إذا كان مخيّرا بين الفعل والعزم ، فلو غلب في ظنّه فوت الفعل لم يغلب في ظنّه فوت العزم ، فينبغي أن يجوز له الاقتصار عليه.
وفيمن وافقنا على هذا المذهب (٤) من استدلّ على ذلك بقوله تعالى : (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)(٥) ، وبقوله : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)(٦).
وذلك يضعف الاحتجاج (٧) به ، لأنّ الظّاهر من الآية أنّه أمر بالتّوبة ، لأنّها هي
__________________
غاية ، فحينئذ إن سقط أصل التّكليف كان خلاف المفروض ، وإن بقي إلى غاية غير معلومة ـ والمفروض أنّه جائز التّرك إلى غير غاية ـ كان تكليفا بما يجوز تركه لا إلى غاية ، والتّكليف يتضمّن وجوب الإتيان بالفعل على وجه الامتثال ، وقصد الامتثال فيما يجوز تركه لا إلى غاية محال ، فهذا تكليف بالمحال.
(١) انظر استدلال الشّيخ (ره) في ردّ هذه الشبهة في صفحة ٢٢٧ حينما يقول : «وأيضا فلو كان مخيّرا بينه وبين العزم ...»
(٢) * أي انتفاءه ، وقوله «وأن يقتصر» تفسير له.
(٣) * إشارة إلى إفساد التكليف إن لم نجعل وقت ظنّ الاخترام غاية.
(٤) راجع التعليقة رقم (١) صفحة ٢٢٥ ، وانظر أيضا : «التبصرة : ٥٤ ، وشرح اللّمع ١ : ٢٣٨ ، الإحكام ٣ : ٣٠٧».
(٥) آل عمران : ١٣٣.
(٦) البقرة : ١٤٨.
(٧) ضعّف جماعة من المفسّرين والمتكلّمين والأصوليّين الاحتجاج بهذه الآية الشّريفة للدلالة على فوريّة الأمر منهم : أبو إسحاق الشّيرازي في «التبصرة : ٥٤ ، وشرح اللّمع ١ : ٢٣٩» ، والشّريف المرتضى في «الذريعة ١ : ١٤١ ـ ١٤٠» ، وفخر الدّين الرازي في تفسيره وكذلك البيضاوي وابن الحاجب وغيرهم.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
