والّذي أذهب إليه هو الأول.
والّذي يدل على ذلك : أنه قد ثبت بما دللنا عليه أن الأمر يقتضي الإيجاب ، فلو لم يقتض الفعل في الثاني لم ينفصل مما ليس بواجب في هذه الحال ، لأن ما ليس بواجب هذا حكمه من أنه يجوز تركه ، وهذا لاحق به ، وهذا يؤدي إلى نقض كونه موجبا (١)*.
فإن قالوا : إنه وإن جاز تأخيره ، فلا يجوز ذلك إلا إلى بدل وهو العزم.
وربما قالوا : إنما يجوز له أن يؤخر بشرط أن يفعل في الثالث وكذلك فيما بعد.
قيل له : على الوجه الأول إثبات العزم يحتاج إلى دليل حتى يصح أن يكون مخيرا بينه وبين الفعل ، فأما إذا لم يثبت ذلك فكيف يجعل مخيرا بينه وبينه ، ولا فرق بين من أثبته من غير دليل وبين من أثبت فعلا آخر وجعله مخيرا بينه وبينه ، فلما كان هذا فاسدا بلا خلاف كان العزم مثله.
وليس لهم أن يقولوا : نحن لا نثبت العزم إلا بدليل ، وذلك أنه لما ثبت أن الفعل واجب وكانت الأوقات في أدائها متساوية أثبتنا العزم ، وإلا انتقض كونه واجبا.
وذلك أن هذا إنما يتم إذا ثبت لهم أن الأوقات متساوية في الأداء ، ودون ذلك خرط القتاد.
وأيضا : فلو كان مخيرا بينه وبين العزم لجاز له أن يقتصر عليه ولا يفعل الواجب ، لأن هذا حكم سائر الأبدال ، وفي ذلك إغراء له بترك الواجب وألا يفعل
__________________
(١) * تقريره : أن الأمر إذا تعلق بفعل ولم يذكر معه شيء آخر يدل على إيجاب الفعل إيجابا منجزا ، والإيجاب تأثير في الوجوب ، والوجوب أثر له ، والأثر لا ينفك عن التأثير المنجز ، فيجب أن يتحقق الوجوب بلا فاصلة ، أي في الوقت الثاني. ولو لم يكن الأمر للفور لم يكون الوجوب متحققا بلا فاصلة فلا يرد النقض بما لو صرح بالتأخير ، ونظيره أن يقال : إذا قال رجل للآخر «آجرتك الدار إلى سنة بكذا» وقال الآخر «قبلت» يتبادر منه انتقال منافعها في الوقت الثاني إلى المستأجر ، لأن الإجارة المطلقة تأثير منجز في انتقال المنافع ، فالانتقال يترتب عليه بلا واسطة ، وهذا لا ينافي أنه لو قال له «آجرتك الدار من رأس الشهر الآتي إلى سنة» لم ينتقل إليه في الوقت الثاني.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
