ومنهم من قال : إنه نهي عن ضده معنى (١).
والّذي أذهب إليه أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده لفظا ، وأما من جهة المعنى فعلى المذهب الّذي اخترناه في أن الأمر يقتضي الإيجاب (١) ، وإذا كان صادرا من حكيم دل على وجوب ذلك الشيء ، يقتضي أن تكون تركه قبيحا وسواء كان له ترك واحد أم تروك كثيرة في أنه يجب أن يكون كلها قبيحة إذا كان الأمر مضيقا.
وإن كان الأمر مخيرا فيه بينه وبين ضد له آخر ، دل على أن ما عدا ذلك قبيح من تروكه.
وإن لم يكن له إلا ترك واحد ، فيجب القطع على أنه قبيح إذا لم يدل على أنه واجب مثله مخيرا فيهما.
إلا أن مع هذا التفصيل أيضا لا يجوز أن يسمى نهيا عن ضده ، لأن النهي من صفات الأقوال دون المعاني ، وليس كل ما علم قبحه سمي منهيا عنه إلا على ضرب من المجاز.
والّذي يدل على صحة ما اخترناه أن أهل اللغة فرقوا بين صيغة الأمر وصيغة النهي فقالوا : صيغة الأمر قول القائل لمن دونه «افعل» ، والنهي قوله : «لا تفعل» وهما يدركان بحاسة السمع ، وليس يسمع من قوله : «افعل» «لا تفعل» ، فلا ينبغي أن يكون نهيا من حيث اللفظ ، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمعا معا كما يسمع لو جمع بين اللفظين ، وقد علمنا خلاف ذلك.
__________________
وأما الإمامية فقد ذهب الشيخ المفيد ـ رحمهالله ـ (التذكرة : ٣١) إلى أنه «ليس الأمر بالشيء هو بنفسه نهيا عن ضده ، ولكنه يدل على النهي عنه بحسب دلالته على حظره ، وباستحالة اجتماع الفعل وتركه يقتضي صحة النهي العقلي عن ضد ما أمر به» ، واما الشريف المرتضى فقد نفى الاقتضاء لفظا ومعنا (الذريعة : ١ ـ ٨٦ ـ ٨٥) وأما الشيخ الطوسي (ره) فإنه يذهب إلى أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده معنا لا لفظا ، ولكنه اقتضاء مجازي لاعتقاد الشيخ أن النهي من صفات الأقوال دون المعاني.
(١) راجع كلام المصنف واستدلاله على أن الأمر يقتضي الإيجاب صفحة ١٧٢.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
