فأما ما وصف الله تعالى إبليس بالعصيان ، فإنه علم أنه فعل قبيحا بتركه السجود المأمور به ، وقد دللنا على أن الأمر يقتضي الإيجاب فلم يخرج من بابه.
ومن قال بالندب ، قال علم ذلك بدليل غير الأمر فلا يمكن الاستدلال به.
فأما من اعتمد على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده لفظا أو معنى فلأجل ذلك اقتضى الإيجاب ، فلا يمكن الاعتماد عليه ، لأن عندنا ليس الأمر بالشيء نهيا عن ضده ، وسنبين ذلك فيما بعد (١) فلا يمكن الاعتماد على ذلك.
ولا يمكن أيضا أن يعتمد على أن يقال (٢) : إن الأمر يدل على أن الآمر مريد للمأمور به ، وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون كارها لضده لأن ذلك يفسد من وجهين :
أحدهما : إنا قد بينا (٣) أن الأمر لا يقتضي إرادة المأمور به أصلا فلا يصح ذلك ، ثم لو اقتضى ذلك لم يجب أن يكون كارها لضده.
والوجه الثاني : أن ذلك يقتضي أن تكون النوافل واجبة لأنها مرادة ، وقد علمنا أنها ليست مكروهة الضد (٤).
ولا يمكن أيضا أن يقال : إن نفس الإرادة للشيء كراهية لضده (٥) ، لأن ذلك يفسد من وجهين أيضا :
__________________
(١) انظر تفصيل الأقوال واختلاف الآراء في هذه المسألة في صفحة ١٩٦ هامش رقم (١).
(٢) هذا دليل أبي إسحاق الشيرازي لإثبات أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، يقول في (التبصرة : ٩٠ ، وشرح اللمع ١ : ٢٦٢ ـ ٢٦١ : «ويدل عليه هو أن الأمر يقتضي كراهية ضده وقبحه ، وذلك يقتضي تحريمه ، فيجب أن يكون الأمر بالشيء تحريما لضده». انظر أيضا : (المعتمد ١ : ٩٨).
(٣) انظر التعليقة رقم (١) في صفحة ١٧٠.
(٤) أجاب أبو إسحاق الشيرازي عن هذا الاعتراض بجوابين ، ومختاره في المقام هو تعميم حكم النهي عن الضد ليشمل المستحبات أيضا. انظر : (التبصرة : ٩٠ ـ ٩١).
(٥) الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٥٦.
![العدّة في أصول الفقه [ ج ١ ] العدّة في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4328_aloddate-fi-usul-alfiqh-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
