أنّ استدراك الجهة الواقعيّة منحصر في الواجب التوصّلي دون التعبّدي ، فإنّ استدراك مصلحته متوقّف على قصد القربة المفقود في المقام بالفرض.
وأيضا قوله : «وهذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّى لا يجديه ـ إلى آخره ـ» يريد به أنّ الأخذ بخلاف الطريق المنصوب مراعاة لاحتمال كونه ذا مصلحة غالبة على حسن الامتثال بالطريق لا يجديه ولا يجوّزه العقل ، لأنّه طريق غير مأمون ، بخلاف الأخذ بالطريق فإنّه طريق مأمون صادف أم لم يصادف. وكان الأولى إسقاط ذكر هذا الاحتمال ، ومراعاته وإن كان حقّا إلّا أنّه لا كرامة في ذكره في هذا المقام.
٤٩ ـ قوله : يرد عليه أوّلا منع ما ذكره ... (ص ١١)
أقول : يريد به أنّ التجرّي علّة تامّة للقبح ، فلا يمكن عروض الصفة المحسّنة له أمّا على مذاق غيره فهو علّة تامّة للقبح بمعنى استحقاق الذمّ بفعله ، وعلى أيّ تقدير يكون الحكم موافقا لجهته ولا يمكن أن يكون الحكم على خلاف جهته لقضيّة كونه علّة تامّه للقبح ويلازمه الحرمة ، إلّا أنّه يرد عليه أنّه ولو فرض كون التجرّي علّة تامّة للقبح يمكن أن يكون على خلاف جهته إن كان ذلك واجبا أو حراما أهمّ في نظر الشارع ، وهذا من باب ارتكاب أقلّ القبيحين في صورة المزاحمة كما لو دار الأمر بين ارتكاب حرام أو ترك واجب مثلا مع العلم بأنّ مراعاة أحدهما أهمّ في نظر الشارع فإنّ الحكمين ثابتان في الواقع وقد علم بهما المكلّف ، إلّا أنّ أحدهما فعلي دون الآخر بالعجز عنه. لكن هذا الإيراد لا ينفع المفصّل ، لأنّ كلامه ناظر إلى جهات المصالح والمفاسد المقتضية للحكم ، ولا ريب أنّه لو كان للفعل جهات للحسن والقبح مختلفة يلزم في حكمة الجعل أن يكون الحكم تابعا للراجح منهما بعد المعادلة والكسر والانكسار ، فهنا حكم واحد موافق للراجح من المصالح ، وهذا بخلاف مسألة ارتكاب أقلّ القبيحين ، فإنّ ما هو أقل قبحا قبيح وحرام مجعول إلّا أنّ الضرورة جوّزت ارتكابه على قبحه وحرمته فرارا عن ارتكاب ما هو أقبح وأشدّ حرمة فهنا
