فلعلّه من جهة أنّ العبد تشبّه بالمولى في جعل الأحكام والتحليل والتحريم ، وذلك زائد على جهة مخالفة المولى في تكاليفه كما لا يخفى هذا.
وإذا تمهّد ذلك فنستدلّ على حرمة التجرّي بأنّ التجرّي والعصيان الحقيقي يشتركان في كونهما هتكا للمولى وجرأة عليه وتمرّدا له في تكاليفه وعدم مبالات بشأنه ، وهذا هو القبيح الصدوري الذي قد مرّ آنفا ، ويفترقان في مصادفة فعل العاصي للمحرّم الواقعي دون التجرّي وقد أثبتنا أنّ منشأ استحقاق العقاب في العصيان الحقيقي ليس كونه حراما واقعا بدليل معذوريّة الجاهل والناسي والمضطرّ وغيرهم من ذوي الأعذار فلم يبق إلّا منشئية ما به الاشتراك وهو المطلوب.
أقول : ما استفيد من هذا الدليل عدم كون ما به الافتراق منشأ للاستحقاق وهو لا ينتج كون المنشأ ما به الاشتراك فقط ، لم لا يكون المنشأ اجتماع الأمرين؟ اللهمّ إلّا أن يقال نعلم بأنّ المنشأ خصوص ما به الاشتراك بشهادة حرمة التشريع ، وقد مرّ ما فيه فتدبّر ، ويونس ما ذكرنا من حرمة التجرّي أنّ ارتكاب أحد المشتبهين بالمحرّم في الشبهة المحصورة مع تخلّفه عن المحرّم الواقعي قبيح في نظر العقل ، وكذا ارتكاب ما قام بحرمته البيّنة مع عدم المصادفة.
أقول : إن ساعدنا حكم [العقل] بقبح التجرّي في المثالين مع عدم القطع بالحكم ، فالتجرّي فيما قطع به أولى بحكم العقل ، فلا حاجة إلى هذا الاستيناس بما هو أخفى في حكم العقل ، ومع ذلك يرجع هذا إلى الدليل الآتي في المتن من حكم العقل بقبح التجرّي ونحن الآن بصدد تقريب الاستدلال على الحرمة بمقايسة التجرّي على العصيان الحقيقي بتحليل جهاته وادّعاء أنّ ما هو مناط العصيان في المعصية الحقيقية موجود في التجرّي كما لا يخفى هذا. وسيأتي من المصنّف الاحتجاج على الحرمة بوجوه ثلاثة أو أربعة مع جوابها.
ويمكن الاحتجاج أيضا مضافا إلى ما ذكر بأنّا إذا رجعنا وجداننا في حال التجرّي والعاصي وقطعنا النظر عن خبث سريرتهما وعن خواصّ الفعل الذاتيّة من
