قولنا : هذا خمر وكل خمر حرام ، لا يقال في اصطلاحهم أنّ الخمر دليل الحرمة مع أنّه وسط في القياس وكذا في قولنا هذا مشكوك الحرمة وكلّ مشكوك الحرمة مباح. لا يقال : إنّ الشكّ حجّة للإباحة مع أنّه وسط.
ومن هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة على القطع موافق لهذا الاصطلاح الذي هو بمرأى ومسمع لنا من الأصوليّين ، ويعلم أيضا أنّ إطلاق الحجّة عليه كإطلاقه على الأمارات المعتبرة شرعا لكونها جميعا كاشفين عن الحكم الأوّل.
نعم قد يطلق الدليل عندهم على ما يقابل الأصول وعلى ما يقابل الأمارات الّتي يستدلّ بها في الموضوعات إلّا أنّه لا يطلق عليه الحجّة على (كذا) هذين القسمين ، وإن اطلق لم يفد الخصم ، والظاهر بل المتيقّن أنّ الحجّة والدليل مترادفان عند المنطقيّين.
والحاصل أنّا نقول : إنّ الدليل في اصطلاح الاصولي ما يكون واسطة في الإثبات فقط ، ولا يكون واسطة في الثبوت ، فيخرج مثل المثالين المتقدّمين لكونهما واسطة في الثبوت أيضا. وبعبارة اخرى ما يثبت به المطلوب بعنوان الطريقيّة فقط ، ولذا يعبّر عن الأدلّة بالطرق إطلاقا شائعا فيشمل الأدلّة المصطلحة ، ويصحّ جعلها وسطا بتقريب يأتي عن قريب ، لا أنّ كلّ ما يصحّ أن يجعل وسطا فهو دليل في هذا الاصطلاح.
أقول : والظاهر أنّ الحجّة مرادف للدليل بهذا الاصطلاح عندهم أيضا ، وربما يقال إنّها أعمّ منه ، لأنّهم يطلقونها على الاستصحاب أيضا دونه ، وهذا عندي ليس بواضح بل هما سواء في الإطلاق وعدمه هذا.
والذي يقتضيه النظر الدقيق أنّ الحجّة والدليل في اصطلاح الاصولي ليس إلّا نفس الطرق للأحكام الشرعيّة ولا يمكن كونها وسطا للأحكام بوجه من الوجوه. مثلا نقول : «صلاة الجمعة واجبة بدليل الإجماع أو بدليل الكتاب أو السنّة» ، فالإجماع أو الكتاب أو السنّة دليل الحكم ولا يصحّ جعل واحد منهما وسطا للقياس إلّا ما يتوهّم
