التناقض ، لعلّه يتفطّن ما ذكرنا في رفع التناقض أيضا ، وإن لم يتفطّن لذلك فلا محذور أيضا ، لأنّ دليل المنع عن العمل بقطعه حاكم على دليل نفس الحكم ، فيعتقد بزعمه أنّ الشّارع رفع اليد عن الحكم الواقعي في حقّه فيرتدع بردعه لا محالة.
فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ القطع ليس قابلا للجعل من حيث كشفه عن الواقع ، بل هو من هذه الحيثيّة منجعل بجعل تكوينيّ ، وكذا من حيث حجّيته ووجوب متابعته ، بل هو من هذه الحيثيّة من مجعولات العقل لا يحتاج إلى جعل الشارع ، لأنّه من قبيل تحصيل الحاصل ، لكنّه قابل للجعل بمعنى قابليّته لردع الشارع عن العمل به على ما مرّ بيانه مفصّلا.
وما اخترناه من قابليّة القطع لمنع الشارع ليس ببدع من القول ، فقد صرّح به صاحب الفصول في قطع القطّاع في مبحث المستقلّات العقليّة (١) ، وكذا كاشف الغطاء في مبحث كثير الشكّ على ما حكى عنه المصنّف قدس سرّه في ثالث تنبيهات المسألة (٢) ، وكذا جمهور الأخباريّين [في] الملازمة بين حكم العقل والشرع بدعوى أنّ الشّارع قد رخّص في ترك متابعة حكم العقل بدليل (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(٣) وأنّ لنا منع مقالتهم هناك لمنع صحّة الأدلّة الّتي استدلّوا بها على المنع إلّا أنّه أمر معقول لو ثبت بدليل يجب الأخذ به ، ولعلّنا نقول بذلك في القطع الحاصل من القياس لأخبار المنع عن العمل به مطلقا ، ويشهد له ما ورد من ردع من قطع بالقياس على أنّ دية أربع أصابع المرأة أربعون بعيرا قياسا على دية الإصبع الواحدة بعشرة وإصبعين بعشرين وثلاثة بثلاثين حتّى قال لمن أخبره بأنّ في الأربع عشرين : إنّ الذي جاء به الشيطان بقوله (عليهالسلام) : «مهلا يا أبان إنّ السنّة إذا قيست محق الدّين» (٤) اللهم إلّا أن يقال إنّ أمثال هذا الخبر في مقام الردع عن القطع ، والتنبيه على أنّ هذه المناسبات ليست علّة للأحكام ، بل هى مبنية على حكم خفيّة يعلمها
__________________
(١) الفصول ، طبع ١٢٦٦ : ٣٤٣.
(٢) الرسائل : ٢٢.
(٣) الاسراء : ١٥.
(٤) الكافي : ٧ / ٢٩٩.
