التعيين ، وفي إطلاق التواتر على مثل ذلك وجه غير بعيد ، وذلك كما لو أخبرنا مخبر بأنّه سأل زيدا فأعطاه دينارا وآخر بمثله وهكذا إلى أن تظافرت الأخبار بمثله عندنا بذلك فنقطع بها أن زيدا قد أعطى سائلا دينارا أو أعطى جماعة منهم دنانير ، وهذا القدر المتيقّن صدقه بالتواتر من تلك الأخبار مدلول مطابقي لبعض تلك الأخبار ، ومن هذا الباب ما نقل لنا من وقائع أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه فإنّا نقطع بتلك الأخبار لكثرتها وتظافرها صدق جملة منها ، وإن جهلنا التعيين ، وكذا ما نقل عنه من خوارق العادات والإخبار بالمغيبات فإنّ بعضها وإن كان متواترا بالخصوص إلّا أنّ الحال في كثير منها كما مرّ انتهى (١).
وأمّا الثاني : فيراد به بقيّة أقسام المتواتر غير ما ذكر في القسم الأوّل.
منها أنّ يتحقّق التواتر بالنسبة إلى المدلول التضمّني للخبر بأن يكون ذلك المدلول قدرا مشتركا بين تلك الأخبار كأن يخبرنا أحد بأنّ زيدا اليوم ضرب عمروا وآخر بأنّه ضرب بكرا وآخر بأنّه ضرب خالدا وهكذا فانّا نقطع من ذلك بأنّ زيدا قد ضرب واحدا وقد مثّل في الفصول لهذا القسم بما لو أخبرنا مخبر بأنّ زيدا كان في وقت كذا في موضع كذا من الكوفة وآخر في موضع آخر منها وهكذا ، فيحصل لنا العلم بتلك الأخبار بأنّه كان في ذلك الوقت في الكوفة (٢).
أقول : وعندي في هذا المثال شكّ في كونه من المتواتر كالمثال الذي ذكره في القوانين (٣) وهو عين المثال الذي ذكرناه أوّلا ، لكن قيّده بقوله : «مع فرض كون الواقعة واحدا» لأنّ تلك الأخبار المتضمّنة لكون زيد في الكوفة في ذلك الوقت المعيّن بعضها مكذّب لبعضها الآخر ، بل نعلم بكذب ما عدا واحدا منها ، ولم يبق محتمل الصدق إلّا واحدا منها لعدم إمكان كون زيد في زمان واحد في مكانين ، فكيف يحصل العلم بكون زيد في الكوفة في ذلك الوقت والحال هذه من تلك الأخبار
__________________
(١) الفصول : ٢٦٨
(٢) الفصول : ٢٦٨
(٣) القوانين : ٢١٢
