الثالث : أن يعلم ذلك بطريق الحدس ، قال : وهو الغالب في العلم بحصول التواتر في الطبقة العالية. بيانه : إذا وجدنا أهل زماننا متفقين على الإخبار صريحا او التزاما بوقوع واقعة مثلا في سالف الزمان فقد نقطع بملاحظة العادة في تلك الواقعة أنّ اتّفاقهم على ذلك لا يكون إلّا عن اتّفاق مثله على الإخبار بذلك إلى أن ينتهي السلسلة إلى المشاهدين الذين نقطع بمقتضى العادة في تلك الواقعة ببلوغهم درجة التواتر ، فيكون علمنا بالواقعة مستندا إلى التواتر المتأخر الكاشف عن التواتر المتقدّم المعلوم لنا بطريق الحدس ـ إلى أن قال ـ وقد يستكشف بإخبار جماعة عن إخبار جماعة أخرى يحصل عدد التواتر بخبر مجموعهم ـ انتهى ـ (١).
ولا يخفى أنّ القسم الأوّل من الوجه الأوّل وكذا الوجه الثاني بعيد الوقوع جدّا ، بل لا يبعد دعوى القطع بالعدم بالنسبة إلى المتواترات التي بأيدينا ، والوجه الثالث أيضا نادر الوقوع ، فأغلب المتواترات التي بأيدينا مثل معجزات النبيّ غير القرآن وكرامات الوصيّ والنصّ الجليّ على خلافة أمير المؤمنين عليّ صلوات وسلامه عليه من قبيل القسم الثاني من الوجه الأوّل.
وقد أورد في المناهج على هذا القسم إشكالا صعب عليه التفصّي عنه حتّى قال في آخر كلامه : والحاصل أنّ تواتر الخبر وإفادته العلم بنفسه من غير ضمّ ضميمة خارجية بعد تعدّد الطبقات أمر صعب جدّا وإثبات وقوعه أصعب ، فما نقل عن بعض الصنميّة والبراهمة من أنه ينكر تواتر الخبر فيما لو كان خبرا عن الماضي ويقول بإمكانه وثبوته إذا كان إخبارا عن الموجود ليس خاليا عن وجه انتهى (٢).
ومحصّل إشكاله أنّه لو أخبر مخبر مغاير لمخبر آخر وهكذا ، لم يكن المخبر به من المخبرين في الطبقة اللاحقة واحدا ، مثلا لو أخبر زيد عن عمرو بموت بكر ، وخالد عن وليد بموته أيضا ، وموسى عن عيسى بموته أيضا ، وهكذا إلى عدد التواتر ، كان
__________________
(١) الفصول : ٢٦٩
(٢) المناهج : المناهج الثاني من الفصل الثاني من المقصد الثالث
