وفيه أنّا لا نعقل الاختلاف بين الحكم الظاهري والواقعي سوى تنجّز أحدهما بمعنى صحّة العقاب على مخالفته ، وعدم تنجّز الآخر بمعنى عدم صحّة العقاب على مخالفته ، فأين اختلاف الظرف والوعاء؟
وأيضا لو كان هناك اختلاف الظرف والوعاء بالفرض فإنّما هو بالنسبة إلى المكلّف ، وأمّا بالنسبة إلى الآمر فإنشاء الحكم الظاهري والواقعي على نسق واحد فكيف يصح للآمر ان يقول لا تشرب التتن ثم يقول اشرب التتن.
الخامس : ان الحكم الظاهري ليس في مرتبة الحكم الواقعي وفي عرضه حتّى لا يمكن اجتماع حكمين مختلفين من النوعين في موضوع واحد ، بل الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي مترتّب عليه ، مثلا نفرض أنّ الشارع أنشأ أوّلا حرمة شرب التتن بقوله : لا تشرب التتن مطلقا غير مقيّد بالعلم والجهل ، ثمّ قال : إن لم تعلم بما حكمت في شرب التتن وكنت معذورا بالنسبة إليه فاشربه ، فحكم الحلّية مترتّب على حكم الحرمة ، ثابت على بعض التقادير والأحوال المتعلّقة بالمكلّف بالنسبة إلى الحكم الواقعي ، ولا تنافي بين هذين الحكمين على هذا النحو ، ونظير ذلك ما اختاره الشيخ محمّد تقي رحمهالله في حاشية المعالم في مسألة اجتماع الأمر والنهي من صحة صلاة من صلّى في المكان الغصبي ـ مع القول بعدم جواز اجتماع الأمر والنهي ـ بالترتّب ، بأنّ الشارع أوّلا قال : لا تغصب مطلقا ثمّ قال فإن عصيت وخالفت هذا النهي فصلّ في المكان الغصبي ، فالأمر بالصلاة المتضمّن للغصب المنهيّ عنه مترتّب على مخالفة النهي والتزام عقابه وعلى تقديره ولا منافاة بينهما.
ونظيره أيضا ما قاله كاشف الغطاء في مسألة معذورية الجاهل بالجهر والإخفات أو القصر والإتمام من أنّ الجاهل المذكور معاقب على ترك الواقع إذا كان مقصّرا مع صحّة صلاته ، وتوجيهه أنّ المكلّف واقعا مأمور بالصلاة الجهريّة مثلا أو القصر في الرتبة الاولى ومأمور أيضا بالصلاة الإخفاتية أو الإتمام على تقدير الجهل بالحكم
