للحكم بالصحّة حتّى مع كشف الواقع ، بخلاف ما نحن فيه ، فإنّ أحد الحكمين من الحلّيّة والحرمة واقعي والآخر ظاهري فقط.
وفيه أنّ ذلك إنّما يتمّ لو كان الحكم الواقعي والحكم الظاهري إنشاء لطلب الفعل أو الترك مثلا ، وأمّا بناء على ما هو التحقيق من أنّ الحكم الواقعي مجرد المصلحة والمفسدة أو المحبوبيّة والحكم الظاهري إنشاء طلب الفعل أو الترك حقيقة من المكلّف الظاهري ، غير أنّ ما يصحّ العقاب على مخالفته ـ لعلم المكلّف به ـ يسمّى ظاهريّا ، وما لا يصحّ العقاب على مخالفته ـ لجهل المكلّف به ـ يسمّى واقعيّا فقط ، فالتناقض بحاله ، لأنّ الحكمين من سنخ واحد لا يجوز اجتماعهما في محلّ واحد ، وما ذكر من النظير فإنّه مردود على قائله لعين ما ذكرنا ، بل لو قلنا في ما نحن فيه بجواز الاجتماع ، لا نقول هناك ، لما عرفت من أنّ الحكم الظاهري هناك واقعي أيضا فباعتبار كونه واقعيّا يحصل التنافي بين الحكمين اتّفاقا.
الثالث : أنّ الحكم الواقعي حكم شأني وبالقوة والحكم الظاهري حكم فعلي ، ومن شرائط تحقّق التناقض اتّحاد القضيّتين في القوّة والفعل ، فإذا كان أحد الحكمين المتنافيين بالقوّة ، والآخر بالفعل ، لم يتحقّق التناقض. كأن يقال : زيد كاتب بالقوّة ليس بكاتب بالفعل ، وهنا يقال : شرب التتن حرام بالقوّة ليس بحرام بالفعل ، فلا تنافي بينهما.
وفيه أيضا نظر ، لأنّ المراد بالقوّة في مثال الكاتب هي قابليّة ثبوت الحكم [وليس المراد فيما نحن فيه قابليّة ثبوت الحكم لو كان الملف جاهلا وثبوت الحكم] لو كان المكلّف عالما ، بل المراد منه هو الحكم الثابت حقيقة في حال الجهل ، وإن كان المكلّف معذورا في مخالفته.
الرابع : أنّ الحرمة الواقعيّة مثلا لكونها في وعاء الواقع لا تنافي عدم الحرمة الظاهريّة لكونه في وعاء الظاهر ، ومنشأ عدم التنافي عدم اتّحاد الوعاءين تشبيها باختلاف المكان.
