الإمكان الذاتي والوقوعي ، وإن كان الإمكان الاحتمالي أيضا يفيدنا فيما نحن بصدده بعد ورود الدليل الشرعي على وقوعه على ما سيأتي كما مرّ بيانه قبل ذلك. ولعلّ هذا التقرير ناظر إلى العبارة المعروفة المنسوبة إلى ابن سينا : كلّما قرع سمعك ـ إلى آخره ـ وقد عرفت أنّه لم يرد سوى الإمكان بمعنى الاحتمال ، وما ذكره من أنّ هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان ممنوع أشدّ المنع ، إن اريد الإمكان الواقعي وإن اريد الإمكان الاحتمالي فهو كذلك.
وقد يتمسّك في الحكم بإمكان ما لم يعلم استحالته بأنّ الغالب في المعقولات المعلومة هو الممكنات ، ويجب إلحاق غير المعلوم بالمعلوم ويحكم بإمكانه ، وفيه أنّ الغلبة غير معلوم ، وعلى فرض التسليم فلا حجّية فيها ، سيّما فيما يطلب فيه العلم ، ولا يكتفى بالظنون أصلا.
والأولى أن يتمسّك في الحكم بالإمكان فيما نحن فيه بالوقوع ، فإنّ التعبّد بغير العلم كالفتوى والبيّنة واليد والسوق وأصل البراءة وأمثالها ممّا لا ينكر حتّى عند ابن قبة ، وجهة المنع لو كانت ، مشتركة بينها وبين التعبّد بخبر الواحد وغيره من الأمارات الغير العمليّة ، فلمّا وقع بعضها علمنا أنّ الجميع من الامور الجائزة
١٨٠ ـ قوله : والجواب عن دليله الأوّل أنّ الإجماع. (ص ٤٠)
أقول : الأولى أن يقال في مقام الجواب عن هذا الدليل أنّه أراد من الجواز في قوله «لو جاز» الجواز الشرعي كما يناسبه التمسّك في بطلان التالي بالإجماع ، فلا كلام لنا فيه الآن ، وإن أراد الجواز العقلي ففيه منع الملازمة ومنع بطلان التالي على تقديره.
أمّا الأوّل فإنّه لم يقم عليها برهان ، بل الفرق بينهما غير خفيّ ، فإنّ إثبات أصل الدين وجميع فروعه بالظنّ ممّا لا يرتضيه العقل والعقلاء ، بخلاف إثبات بعض فروعه المشتبهة بعد ثبوت أصله بالقطع والأدلة القطعية ، مضافا إلى ما ذكره في الفصول من أنّ الدواعي في الإخبار عن الله كاذبا كثيرة ، لأنّه يثبت للمدّعي منصب النبوّة ورئاسة
