في الواقع ممتنعا لوجه لا نعلمه ، ويحمل على هذا المعنى ما اشتهر حكايته عن ابن سينا من قوله : كلّما قرع سمعك من الاكوان ولم يذدك عنه قاطع البرهان فذره في بقعة الإمكان ، يعني ضعه في حيّز الاحتمال ولا تردّه بمجرد عدم البرهان عليه ، وإلّا فلا معنى للحكم بالإمكان بمجرّد عدم العلم بوجه الامتناع ، وهذا واضح. فالذي يمكن أن يكون محلّا للنزاع في مسألتنا هو الإمكان الواقعي بأحد المعنيين أو كليهما ، فالمثبت يقول أنا أعلم بعدم استحالة التعبّد بالظنّ ذاتا وأعلم بعدم قبحه من جهة نقض الغرض أو خلاف اللطف أو العبث أو غيره ممّا يدّعيه المنكر ، والمنكر يجوز أن يدّعي العلم بالاستحالة بأحد الوجهين ، أو يدّعي عدم العلم بالإمكان الذي يدّعيه المثبت ولو ادّعى المثبت الإمكان الاحتمالي فذلك لا يفيده شيئا ، إذ مرجعه إلى التوقّف ، لأنّ معناه أنّه لا يدري هل هو ممكن أو ممتنع ، مردّد في اعتقاده بينهما هذا.
ويمكن أن يقال إنّ إثبات الإمكان الاحتمالي يفيدنا ، لأنّا وإن لم نحكم بالإمكان بمجرّد الاحتمال ، لكن لو فرض ورود دليل شرعي على ثبوت ما هو ممكن بهذا المعنى أي محتمل الوقوع نأخذ بذلك الدليل ونحكم بالإمكان ثمّ بالوقوع ، ولا نطرح ذلك الدليل ، بخلاف ما إذا لم يكن ممكنا بهذا المعنى أي غير محتمل الوقوع في اعتقادنا فيجب ترك ذلك الدليل أو تأويله.
١٧٥ ـ قوله : أمّا الأوّل فاعلم أنّ المعروف هو إمكانه. (ص ٤٠)
أقول : هو الإمكان الذاتي ولا يبعد أنّهم أرادوا الإمكان الواقعي بقرينة أنّ المعروف قائلون بالوقوع في الخارج ، فلا مانع عندهم من وقوع التعبّد لا من حيث الذات ولا خارجا عنه ، وإلّا لما وقع ، ويمكن على بعد إرادتهم الإمكان الاحتمالي ويفيدهم ذلك بالتقريب الذي مرّ آنفا وسيأتي ما يوضح أنّ مخالفة [محمد بن] عبد
