عنون في قاعدة الملازمة ، فوجه معقوليته أنّ غاية ما يحكم به العقل أنّ الفعل الكذائي حسن أو قبيح يستحقّ فاعله المدح أو الذمّ ، وأنّه يقتضى أمر الشارع أو نهيه عنه نظرا إلى حكمته ، لكنّه مع ذلك لا يستلزم أن يكون الشارع قد أمر به أو نهى عنه ، إذ التحقيق أنّ فعليّة التكليف من الشارع تابعة لمصلحة الامر لا المأمور به ، وإن كان المأمور به تكون سببا لمصلحة الأمر غالبا ، إلّا أنّ المناط في التكليف مصلحة الأمر ، وحينئذ فيمكن أن يكون الأمر بما قطع العقل بحسنه خلاف المصلحة ، وكذا النهي عمّا قطع العقل بقبحه خلاف المصلحة ، كما يشاهد ذلك في عدم تكليف الشارع للصبيّ المراهق الذي هو في غاية الفطانة ويحكم عقله بقبح المقبّحات وحسن الأفعال الحسنة بمثل العقلاء البالغين ، مع أنّ تكليف هذا الصبيّ وساير البالغين في حكم العقل سواء لو لم يلاحظ جهة مصالح الأمر ، ولعلّ مصلحة عدم تكليف مثل هذا الصبيّ مراعاة اطّراد الحكم لعموم الخلائق ، مع أنّ الغالب عدم كمال فطنهم في هذا السنّ.
وأمّا تقريب الاستدلال عليه هو أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح النفس الأمريّة ، وما يدرك العقل حسنه أو قبحه يتبعه الحكم إذا كان ذلك موافقا لنفس الأمر ، ولمّا وجدنا كثرة الاشتباه والغلط في الأحكام العقلية لم نعتمد على كونها موافقا لنفس الأمر حتّى نحكم بثبوت الحكم الشرعي على طبقها. وما يقال إنّ القاطع لا يحتمل اشتباهه وخطأه في قطعه فقد مرّ جوابه آنفا.
٦٨ ـ قوله : فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف ، ولو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدمات الشرعيّة طابق النعل بالنعل. (ص ١٥)
أقول : قد أجاب عن هذا الشقّ من الترديد بوجهين : الأوّل : عدم معقوليّة طرح الحكم العقلي وترك الاعتماد عليه بعد حصوله. والثاني : النقض بكثرة الخطاء في الشرعيّات أيضا بعين التقرير في العقليّات.
