ومما رجحت به قراءة «ملك» ما حكاه الفارسي (١) عن ابن السراج (٢) عن بعضهم أنه وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله : (رَبِّ الْعالَمِينَ) فلا فائدة في قراءة من قرأ : (مالِكِ) لأنها تكرار ، قال أبو علي : «ولا حجة فيه لأن في التنزيل مثله كثيرا يذكر العام ثم الخاص نحو : (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ).
وقال أبو حاتم (٣) : (مالِكِ) أبلغ في مدح الخالق و «ملك» أبلغ في مدح المخلق والفرق بينهما أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى ملكا كان مالكا واختاره ابن العربي.
ومنها : أنها أعم إذ تضاف للمملوك وغير المملوك بخلاف (مالِكِ) فإنه لا يضاف إلا للمملوك ، كما تقدم ولإشعاره بالكثرة ، ولأنه تمدح تعالى بمالك الملك بقوله تعالى : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) [آل عمران : ٢٦] وملك مأخوذ منه كما تقدم ، ولم يتمدح بمالك الملك ـ بكسر الميم ـ الذي مالك مأخوذ منه. وقرئ ملك بسكون اللام (٤) ومنه :
|
٤٧ ـ وأيّام لنا غرّ طوال |
|
عصينا الملك فيها أن ندينا (٥) |
ومليك (٦) ومنه :
|
٤٨ ـ فاقنع بما قسم المليك فإنّما |
|
قسم الخلائق بيننا علّامها (٧) |
وملكي وتروى عن نافع :
إذا عرف هذا فكون «ملك» نعتا لله تعالى ظاهر فإنه معرفة بالإضافة ، وأما (مالِكِ) فإن أريد به معنى المضي فجعله نعتا واضح أيضا ، لأن إضافته محضة فيتعرف بها ، ويؤيد كونه ماضي المعنى قراءة من قرأ (٨) : ملك يوم الدين فجعل «ملك» فعلا ماضيا ، وإن أريد به الحال أو الاستقبال فيشكل لأنه : إما أن يجعل نعتا لله ، ولا يجوز
__________________
(١) الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن محمد بن سليمان الإمام أبو عليّ الفارسيّ واحد زمانه في علم العربية صاحب الحجة ، والتذكرة وغير ذلك ، توفي ببغداد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. البغية (١ / ٤٩٦ ـ ٤٩٧).
(٢) محمد بن السريّ البغدادي النحويّ أبو بكر بن السرّاج ، كان أحدث أصحاب المبرد سنا صاحب الأصول الكبير ، وحمل الأصول ، توفي في ذي الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة. البغية (١ / ١٠٩ ـ ١١٠).
(٣) سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم أبو حاتم السجستانيّ صاحب إعراب القرآن وغير ذلك ، توفي سنة خمسين ـ أو خمس وخمسين ، أو أربع وخمسين ، أو ثمان وأربعين ـ ومائتين. وقد قارب التسعين. البغية (١ / ٦٠٦ ـ ٦٠٧).
(٤) انظر البحر المحيط (١ / ٢٠).
(٥) البيت من معلقة عمرو بن كلثوم. انظر شرح المعلقات للتبريزي (٣٩٢) ، وشرح المعلقات للزوزني (١٢٧) ، وشرحها للشنقيطي (٩٩) ، يقول : نخبرك بوقائع لنا مشاهير كالغر من الخيل عصينا الملك فيها كراهية أن نطيعه ونتذلل له. والأيام : الوقائع هنا. والغر بمعنى المشاهير كالخيل الغر لإشتهارها بين الخيل. وقوله : «أن ندينا» أي كراهية أن ندين فحذف المضاف على رأي البصريين. وانظر البيت في القرطبي (١ / ٩٨).
(٦) نافع بن عبد الرحمن أحد القراء السبعة ، توفي سنة ١٦٩ ه. انظر غاية النهاية (٢ / ٣٣٠).
(٧) البيت للبيد من معلقته. انظر ديوانه (٣٢٠) ، شرح المعلقات للزوزني (١٣٠) ، وشرحها للشنقيطي (٩٦) ، ويروى : «فإنما قسم المعايش» والمعنى : فاقتنع أيها العدو بما قسم الله تعالى فإن قسام المعايش والخلائق علامها ، يريد أن الله تعالى قسم لكل ما استحقه من كمال ونقص ورفعة وضعة والقسم مصدر قسم يقسم ، والقسم والقسمة اسمان وجمع القسم أقسام وجمع القسمة قسم. والملك والملك والمليك واحد وجمع الملك ملوك وجمع الملك أملاك. وانظر البيت من القرطبي (١ / ٩٨).
(٨) انظر مختصر الشواذ (١).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)