قلت : إن علّقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيّدة ، ثم قيل له : فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها ، وإن علّقته بقوله : «فليكتب» فقد نهى عن الامتناع بالكتابة على سبيل الإطلاق ، ثم أمر بها مقيدة» ويجوز أن تكون متعلقة بقوله : لا يأب ، وتكون الكاف حينئذ للتعليل. قال ابن عطية : «ويحتمل أن يكون «كما» متعلقا بما في قوله «ولا يأب» من المعنى أي : كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة فلا يأب هو ، وليفضل كما أفضل عليه».
قال الشيخ (١) : «وهو خلاف الظاهر ، وتكون الكاف في هذا القول للتعليل» قلت : وعلى القول بكونها متعلقة بقوله : «فليكتب» يجوز أن تكون للتعليل أيضا ، أي : فلأجل ما علّمه الله فليكتب.
وقرأ العامة : «فليكتب» بتسكين اللام كقولهم : «كتف» في كتف ، إجراء للمنفصل مجرى المتصل. وقد قرأ الحسن بكسرها وهو الأصل.
قوله : (وَلْيُمْلِلِ) أمر من أملّ يملّ ، فلمّا سكن الثاني جزما جرى فيه لغتان : الفكّ وهو لغة الحجاز ، والإدغام وهو لغة تميم ، وكذا إذا سكن وقفا نحو : أملل عليه وأملّ ، وهذا مطّرد في كلّ مضاعف وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله تعالى عند قراءتي : «من يرتدد ، ويرتدّ» في المائدة (٢) وعلّة كلّ لغة.
وقرئ هنا شاذا : «وليملّ» بالإدغام ، ويقال : أملّ يملّ إملالا ، وأملى يملي إملاء. ومن الأولى قوله :
|
١١٢٦ ـ ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان |
|
أملّ عليها بالبلى الملوان (٣) |
ومن الثانية قوله تعالى : (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ)(٤) ، ويقال : أمللت وأمليت ، فقيل : هما لغتان ، وقيل : الياء بدل من أحد المثلين ، وأصل المادتين : الإعادة مرة بعد أخرى.
و «الحقّ» يجوز أن يكون مبتدأ ، و «عليه» خبر مقدم ، ويجوز أن يكون فاعلا بالجارّ قبله لاعتماده على الموصول ، والموصول هو فاعل «يملل» ومفعوله محذوف أي : وليملل الديّان الكاتب ما عليه من الحقّ ، فحذف المفعولين للعلم بهما. ويتعدّى ب «على» إلى أحدهما فيقال : أمللت عليه كذا ، ومنه الآية الكريمة.
قوله : (وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ) يجوز في «منه» أن يكون متعلقا بيبخس ، و «من» لابتداء الغاية ، والضمير في «منه» للحقّ. والثاني : أنها متعلقة بمحذوف لأنها في الأصل صفة للنكرة ، فلمّا قدّمت على النكرة نصبت حالا.
و (شَيْئاً) : إمّا مفعول به وإمّا مصدر.
والبخس : النّقص ، يقال منه : بخس زيد عمرا حقّه يبخسه بخسا ، وأصله من : بخست عينه ، فاستعير منه بخس الحق ، كما قالوا : «عورت حقّه» استعارة من عور العين. ويقال : بخصته بالصاد. والتباخس في البيع : التناقص ، لأنّ كلّ واحد من المتبايعين ينقص الآخر حقّه.
قوله : (أَنْ يُمِلَّ هُوَ) أن وما في حيّزها في محلّ نصب مفعولا به ، أي : لا يستطيع الإملال ، و «هو» تأكيد
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ٣٤٤).
(٢) سورة المائدة ، آية (٥٤).
(٣) البيت لتميم بن مقبل انظر ديوانه (٣٣٥) ، وهو من شواهد الكتاب (٢ /) ، الخزانة (٣ / ٢٧٥) ، الأشموني (٤ / ٣٠٩) ، أوضح المسالك (٣ / ٢٧٨).
(٤) سورة الفرقان ، آية (٥).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)