والأحسن من ذلك ما قدّره مكي ، لكن فيه ما تقدّم.
الثاني : أنّ هذا الجارّ خبر مبتدإ محذوف ، تقديره : الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء ، وهو في المعنى جواب لسؤال مقدّر ، كأنهم لمّا حثّوا على الصدقات قالوا : فلمن هي؟ فأحثّوا بأنها لهؤلاء ، وفيها فائدة بيان مصرف الصدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري قال : «كما تقول : «عاقل لبيب» ، وقد تقدّم وصف رجل ، أي : الموصوف عاقل ، وتكتبون على الأكياس : «ألفان ومئتان» ، أي : الذي في الكيس ألفان. وأنشد :
|
١٠٨٥ ـ تسألني عن زوجها أيّ فتى |
|
خبّ جرّوز وإذا جاع بكى (١) |
يريد : هو خبّ.
الثالث : أنّ اللام تتعلّق بقوله : (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ)(٢) وهو مذهب القفّال ، واستبعده الناس لكثرة الفواصل.
الرابع : أنه متعلّق بقوله : «وما تنفقوا من خير» وفي هذا نظر من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب ، فيصير نظير قولك : «من يكرم أحسن إليه زيدا. وقد صرّح بالمنع من ذلك ـ معلّلا بما ذكرته ـ الواحديّ فقال : «ولا يجوز أن يكون العامل في هذه اللام «تنفقوا» الأخير في الآية المتقدمة ، لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول بما ليس منه كما لا يجوز : «كانت زيدا الحمّى تأخذ».
الخامس : أنّ «للفقراء» بدل من قوله : «فلأنفسكم» ، وهذا مردود قال الواحدي وغيره : «لأنّ بدل الشيء من غيره لا يكون إلا والمعنى مشتمل عليه ، وليس كذلك ذكر النفس ههنا ، لأنّ الإنفاق من حيث هو عائد عليها ، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم ، وليس من باب (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(٣) لأنّ الأمر لازم للمستطيع خاصة» قلت : يعني أنّ الفقراء ليست هي الأنفس ولا جزءا منها ولا مشتملة عليها ، وكأن القائل بذلك توهّم أنه من باب قوله تعالى : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)(٤) في أحد التأويلين.
والفقير : قيل : أصله من «فقرته الفاقرة» أي : كسرت فقارات ظهره الداهية. قال الراغب : «وأصل الفقير : هو المكسور الفقار ، يقال : «فقرته الفاقرة» أي : الداهية تكسر الفقار ، و «أفقرك الصيد فارمه» أي أمكنك من فقاره. وقيل : هو من الفقرة أي الحفرة ، ومنه قيل لكل حفرة يجتمع فيها الماء : فقير. وفقرت للغسيل حفرت له حفرة : غرسته فيها. قال :
|
١٠٨٦ ـ ما ليلة الفقير إلا الشيطان (٥) |
|
............... |
قيل : هو اسم بئر. وفقرت الخزرع : ثقبته. وقال الهروي : يقال «فقره» إذا أصاب فقار ظهره نحو : رأسه أي : أصاب رأسه ، وبطنه : أي أصاب بطنه. وقال الأصمعي : «الفقير : أن يحزّ أنف البعير حتى يخلص الحزّ إلى العظم ، ثم يلوى عليه جرير يذلّل به الصّعب من الإبل ، ومنه قيل : عمل به الفاقرة». والفقرات ـ بكسر الفاء وفتح
__________________
(١) البيت للشماخ انظر ديوانه (١٠٧) ، المحتسب (١ / ٦٠).
(٢) سورة البقرة ، آية (٢٧١).
(٣) سورة آل عمران ، آية (٩٧).
(٤) سورة النساء ، آية (٢٩).
(٥) البيت للجليخ. انظر جمهرة ابن دريد (/) ، المفردات للراغب (٣٩٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)