أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ)(١) فجاء النفي ب لم مع الواو ودونها.
قيل : قد تقدّم شيئان وهما «طعامك وشرابك» ولم يعد الضمير إلا مفردا ، وفي ذلك ثلاثة أجوبة :
أحدها : أنهما لمّا كانا متلازمين ، بمعنى أنّ أحدهما لا يكتفى به بدون الآخر صارا بمنزلة شيء واحد حتى كأنه قال : فانظر إلى غذائك.
الثاني : أنّ الضمير يعود إلى الشراب فقط ، لأنه أقرب مذكور ، وثمّ جملة أخرى حذفت لدلالة هذه عليها. والتقدير : وانظر إلى طعامك لم يتسنّه وإلى شرابك لم يتسنّه ، أو يكون سكت عن تغيّر الطعام تنبيها بالأدنى على الأعلى ، وذلك أنه إذا لم يتغيّر الشراب مع نزعة النفس إليه فعدم تغيّر الطعام أولى ، قال معناه أبو البقاء.
والثالث : أنه أفرد في موضع التثنية ، قاله أبو البقاء وأنشد :
|
١٠٥٦ ـ فكأنّ في العينين حبّ قرنفل |
|
أو سنبل كحلت به فانهلّت (٢) |
وليس بشيء.
وقرأ حمزة والكسائي : «لم يتسنّه» بالهاء وقفا وبحذفها وصلا ، والباقون بإثباتها في الحالين. فأمّا قراءتهما فالهاء فيها للسكت. وأمّا قراءة الجماعة فالهاء تحتمل وجهين.
أحدهما : أن تكون أيضا للسكت ، وإنما أثبتت وصلا إجراء للوصل مجرى الوقف ، وهو في القرآن كثير ، سيمرّ بك منه مواضع ، فعلى هذا يكون أصل الكلمة : إمّا مشتقا من لفظ «السّنة» على قولنا إنّ لامها المحذوفة واو ، ولذلك تردّ في التصغير والجمع ، قالوا : سنيّة وسنوات ، وعلى هذه اللغة قالوا : «سانيت» أبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة ، وقالوا : أسنت القوم ، فقلبوا الواو تاء ، والأصل أسنووا ، فأبدلوها في تجاه وتخمة كما تقدّم ، فأصله : يتسنّى فحذفت الألف جزما ، وإمّا من لفظ «مسنون» وهو المتغيّر ومنه (حَمَإٍ مَسْنُونٍ)(٣) ، والأصل : يتسنّن بثلاث نونات ، فاستثقل توالي الأمثال ، فأبدلنا الأخيرة ياء ، كما قالوا في تظنّن : تظنّى ، وفي قصّصت أظفاري : قصّيت ، ثم أبدلنا الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت جزما ، قاله أبو عمرو ، وخطّأه الزجاج ، قال : «لأنّ المسنون المصبوب على سنن الطريق».
وحكي عن النقاش أنه قال : «هو مأخوذ من أسن الماء» أي تغيّر ، وهذا وإن كان صحيحا معنى فقد ردّ عليه النحويون قوله لأنه فاسد اشتقاقا ، إذ لو كان مشتقا من «أسن الماء» لكان ينبغي حين يبنى منه تفعّل أن يقال تأسّن. ويمكن أن يجاب عنه أن يمكن أن يكون قد قلبت الكلمة بأن أخّرت فاؤها ـ وهي الهمزة ـ إلى موضع لامها فبقي : يتسنّأ بالهمزة آخرا ، ثم أبدلت الهمزة ألفا كقولهم في قرأ : «قرا» ، وفي استهزأ : «استهزا» ثم حذفت جزما.
والوجه الثاني : أن تكون الهاء أصلا بنفسها ، ويكون مشتقا من لفظ «سنة» أيضا ، ولكن في لغة من يجعل لامها المحذوفة هاء ، وهم الحجازيون ، والأصل : سنيهة ، يدلّ على ذلك التصغير والتكسير ، قالوا : سنيهة
__________________
(١) سورة الأنعام ، آية (٩٣).
(٢) تقدم.
(٣) سورة الحجر ، آية (٢٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)