يفيد الاختصاص بالمخبر عنه بخلاف الثاني ، فإنه لم يدّع لنفسه الخسيسة الخصوصية بذلك.
و «أنا» ضمير مرفوع منفصل ، والاسم منه «أن» والألف زائدة لبيان الحركة في الوقف ، ولذلك حذفت وصلا ، ومن العرب من يثبتها مطلقا ، فقيل : أجري الوصل مجرى الوقف. قال :
|
١٠٤٥ ـ وكيف أنا وانتحال القوا |
|
في بعد المشيب كفى ذاك عارا (١) |
وقال آخر :
|
١٠٤٦ ـ أنا سيف العشيرة فاعرفوني |
|
حميدا قد تذرّيت السّناما (٢) |
والصحيح أنه فيه لغتان ، إحداهما : لغة تميم ، وهي إثبات ألفه وصلا ووقفا وعليها تحمل قراءة نافع فإنه قرأ بثبوت الألف وصلا قبل همزة مضمومة نحو : «أنا أحيي» أو مفتوحة نحو : (وَأَنَا أَوَّلُ)(٣) ، واختلف عنه في المكسورة نحو : (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ)(٤) ، وقراءة ابن عامر : لكنا هو الله ربي (٥) على ما سيأتي ، وهذا أحسن من توجيه من يقول : «أجري الوصل مجرى الوقف». واللغة الثانية : إثباتها وقفا وحذفها وصلا ، ولا يجوز إثباتها وصلا إلا ضرورة كالبيتين المتقدّمين. وقيل : بل «أنا» كلّه ضمير.
وفيه لغات : أنا وأن ـ كلفظ أن الناصبة ـ وآن ، وكأنه قدّم الألف على النون فصار أان. قيل : إنّ المراد به الزمان ، [و] قالوا : أنه وهي هاء السكت ، لا بدل من الألف : قال : «هكذا فردي أنه» وقال آخر :
|
١٠٤٧ ـ إن كنت أدري فعليّ بدنه |
|
من كثرة التّخليط فيّ من أنه (٦) |
وإنما أثبت نافع ألفه قبل الهمز جمعا بين اللغتين ، أو لأنّ النطق بالهمز عسر فاستراح له بالألف لأنها حرف مدّ.
قوله : (فَإِنَّ اللهَ) هذه الفاء جواب شرط مقدّر تقديره : قال إبراهيم إن زعمت أو موّهت بذلك فإن الله ، ولو كانت الجملة محكية بالقول لما دخلت هذه الفاء ، بل كان تركيب الكلام : قال إبراهيم إنّ الله يأتي. وقال أبو البقاء. «دخلت الفاء إيذانا بتعلّق هذا الكلام بما قبله ، والمعنى إذا ادّعيت الإحياء والإماتة ولم تفهم فالحجة أنّ الله يأتي ، هذا هو المعنى». والباء في «بالشمس» للتعدية ، تقول : أتت الشمس ، وأتى الله بها ، أي : أجاءها. و (مِنَ الْمَشْرِقِ) و (مِنَ الْمَغْرِبِ) متعلقان بالفعلين قبلهما ، وأجاز أبو البقاء فيهما بعد أن منع ذلك أن يكونا حالين ، وجعل التقدير : مسخرة أو منقادة. وليته استمرّ على منعه ذلك.
قوله : (فَبُهِتَ) الجمهور : «بهت» مبنيا للمفعول ، والموصول مرفوع به ، والفاعل في الأصل هو إبراهيم ، لأنه المناظر له. ويحتمل أن يكون الفاعل في الأصل ضمير المصدر المفهوم من «قال» أي : فبهته قول إبراهيم. وقرأ ابن السّميفع : «فبهت» بفتح الباء والهاء مبنيا للفاعل ، وهذا يحتمل وجهين :
__________________
(١) البيت للأعشى انظر ديوانه (٥٣) ، شرح المفصل لابن يعيش (٤ / ٤٥) ، رصف المباني (١٤) ، اللسان «نحل».
(٢) البيت لحميد بن ثور انظر ديوانه (١٣٣) ، المقرب (١ / ٢٤٦) ، المنصف (١ / ١٠) ، شرح المفصل لابن يعيش (٣ / ٩٣) ، اللسان «أنف».
(٣) سورة الأعراف ، آية (١٤٣).
(٤) سورة الكهف ، آية (٣٨).
(٥) سورة الشعراء ، آية (١١٥).
(٦) البيت في شرح المفصل (٣ / ٩٤) ، ترجع لابن يعيش.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)