قوله : (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ) منصوب على الاستثناء ، وفي المستثنى منه وجهان :
الصحيح أنه الجملة الأولى وهي : (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) ، والجملة الثانية معترضة بين المستثنى والمستثنى منه ، وأصلها التأخير ، وإنّما قدّمت لأنها تدلّ عليها الأولى بطريق المفهوم ، فإنّه لمّا قال تعالى : (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) فهم منه أنّ من لم يشرب فإنّه منه ، فلمّا كانت مدلولا عليها بالمفهوم صار الفصل بها كلا فصل. وقال الزمخشري : «والجملة الثانية في حكم المتأخرة ، إلّا أنها قدّمت للعناية ، كما قدّم «والصابئون» في قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ)(١).
والثاني : أنه مستثنى من الجملة الثانية ، وإليه ذهب أبو البقاء. وهذا غير سديد لأنه يؤدّي إلى أن المعنى : ومن لم يطعمه فإنه مني إلّا من اغترف بيده فإنه ليس مني ، لأنّ الاستثناء من النفي إثبات ، ومن الإثبات نفي ، كما هو الصحيح ، ولكن هذا فاسد في المعنى لأنهم مفسوح لهم في الاغتراف غرفة واحدة.
والاستثناء إذا تعقّب الجمل وصلح عوده على كلّ منها هل يختصّ بالأخيرة أم لا؟ خلاف مشهور ، فإن دلّ دليل على اختصاصه بإحدى الجمل عمل به ، والآية من هذا القبيل ، فإنّ المعنى يعود إلى عوده إلى الجملة الأولى لا الثانية لما ذكرت لك.
وقرأ الحرميّان وأبو عمرو : «غرفة» بفتح الغين والباقون بضمها. فقيل : هما بمعنى المصدر ، إلّا أنهما جاءا على غير الصدر كنبات من أنبت ، ولو جاء على الصدر لقيل : اغترافا. وقيل : هما بمعنى المغترف كالأكل بمعنى المأكول. وقيل : المفتوح مصدر قصد به الدلالة على الوحدة فإنّ «فعلة» يدلّ على المرّة ، والمضموم بمعنى المفعول ، فحيث جعلتهما مصدرا فالمفعول محذوف ، تقديره : إلّا من اغترف ماء ، وحيث جعلتهما بمعنى المفعول كانا مفعولا به ، فلا يحتاج إلى تقدير مفعول.
ونقل عن أبي عليّ أنه كان يرجّح قراءة الضم لأنه في قراءة الفتح يجعلها مصدرا ، والمصدر لا يوافق الفعل في بنائه ، إنما جاء على حذف الزوائد وجعلها بمعنى المفعول لا يحوج إلى ذلك فكان أرجح.
قوله : (بِيَدِهِ) يجوز أن يتعلّق ب «اغترف» وهو الظاهر. ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه نعت ل «غرفة» ، وهذا على قولنا بأن «غرفة» ، بمعنى المفعول أظهر منه على قولنا بأنها مصدر ، فإنّ الظاهر من الباء على هذا أن تكون ظرفية ، أي غرفة كائنة في يده.
قوله : (إِلَّا قَلِيلاً) هذه القراءة المشهورة ، وقرأ عبد الله وأبيّ «إلا قليل» وتأويله أنّ هذا الكلام وإن كان موجبا لفظا فهو منفيّ معنى ، فإنه في قوة : لم يطيعوه إلا قليل منهم ، فلذلك جعله تابعا لما قبله في الإعراب. قال الزمخشري : «وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانبا ، وهو باب جليل من علم العربية ، فلمّا كان معنى (فَشَرِبُوا مِنْهُ) في معنى «فلم يطيعوه» حمل عليه ، ونحوه قول الفرزدق : «لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلّف» يشير إلى قوله :
__________________
(١) سورة المائدة ، آية (٦٩).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)