أحدهما : أنه فاعول ، ولا يعرف له اشتقاق ، ومنع قائل هذا أن يكون وزنه فعلوتا مشتقا من تاب يتوب كملكوت من الملك ورهبوت من الرّهب ، قال : لأنّ المعنى لا يساعد على ذلك.
والقول الثاني : أن وزنه فعلوت كملكوت ، وجعله مشتقا من التّوب وهو الرجوع ، وجعل معناه صحيحا فيه ، لأنّ التابوت هو الصندوق الذي توضع فيه الأشياء فيرجع إليه صاحبه عند احتياجه إليه ، فقد جعلنا فيه معنى الرجوع.
والمشهور أن يوقف على تائه بتاء من غير إبدالها هاء لأنها : إمّا أصل إن كان وزنه فاعولا ، وإمّا زائدة لغير التأنيث كملكوت ، ومنهم من يقلبها هاء ، وقد قرئ بها شاذا ، قرأها أبيّ وزيد بن ثابت وهي لغة الأنصار ، ويحكى أنهم لمّا كتبوا المصاحف زمن عثمان رضي الله عنه اختلفوا فيه فقال زيد : «بالهاء» ، وقال أبيّ : «بالتاء» ، فجاؤوا عثمان فقال : «اكتبوه على لغة قريش» يعني بالتاء.
وهذه الهاء هل هي أصل بنفسها فيكون فيه لغتان ، ووزنه على هذا فاعول ليس إلا ، أو بدل من التاء لأنها قريبة منها لاجتماعهما في الهمس ، أو إجراء لها مجرى تاء التأنيث؟ قال الزمخشري : «فإن قلت : ما وزن التابوت؟ قلت : لا يخلو أن يكون فعلوتا أو فاعولا ، فلا يكون فاعولا لقلة نحو سلس وقلق» ، يعني أنّ اتّحاد الفاء واللام في اللفظ قليل جدا. «ولأنه تركيب غير معروف» يعني في الأوزان العربية ، ولا يجوز ترك المعروف إليه فهو إذا فعلوت من التوب وهو الرجوع ، لأنه ظرف تودع فيه الأشياء فيرجع إليه كلّ وقت.
وأمّا من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده ، إلّا من يجعل هاءه بدلا من التاء لاجتماعهما في الهمس ، ولأنهما من حروف الزيادة ، ولذلك أبدلت من تاء التّأنيث.
قوله : (فِيهِ سَكِينَةٌ) يجوز أن يكون «فيه» وحده حالا من التابوت ، فيتعلّق بمحذوف ، ويرتفع «سكينة» بالفاعلية ، والعامل فيه الاستقرار والحال هنا من قبيل المفردات ، ويجوز أن يكون «فيه» خبرا مقدما. و «سكينة» مبتدأ مؤخرا ، والجملة في محلّ نصب على الحال ، والحال هنا من قبيل الجمل. و «سكينة» فعيلة من السكون ، وهو الوقار. وقرأ أبو السّمّال بتشديد الكاف ، قال الزمخشري : «وهو غريب».
قوله : (مِنْ رَبِّكُمْ) يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه صفة ل «سكينة» ، ومحلّه الرفع. ويجوز أن يتعلّق بما تعلّق به «فيه» من الاستقرار. و «من» يجوز أن تكون لابتداء الغاية وأن تكون للتبعيض. وثمّ مضاف محذوف أي : من سكينات ربكم.
و (بَقِيَّةٌ) وزنها فعيلة والأصل : بقيية بياءين ، الأولى زائدة والثانية لام الكلمة ، ثم أدغم ، ولا يستدلّ على أنّ لام «بقيّة» ياء بقولهم : «بقي» في الماضي ، لأنّ الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ياء ، ألا ترى أنّ «رضي» و «شقي» أصلهما من الواو : الشّقوة والرّضوان.
و (مِمَّا تَرَكَ) في محلّ رفع لأنه صفة ل «بقيّة» فيتعلّق بمحذوف أي : بقية كائنة. و «من» للتبعيض ، أي : من بقيّات ربكم ، و «ما» موصولة اسمية ، ولا تكون نكرة ولا مصدرية.
و (آلُ) تقدّم الكلام فيه ، وقيل : هو هنا زائد كقوله :
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)