الفصل الأول
السمين الحلبي
حياته وآثاره
عصر السمين
الذين ترجموا للسمين الحلبي يذكرون أنّه ولد بحلب من بلاد الشام كما يذكر المترجمون أنّ نشأة الرجل كانت في «حلب» وقد اكتسب فيها لقبه ـ السمين.
هذا والمراجع التي وقفت عليها لم تذكر لنا شيئا عن سنة مولده ولا شيئا عن نشأته الأولى ولا متى رحل من حلب بلده إلى القاهرة وما سبب هذا الرحيل ـ ولكنهم ذكروا أنّه هاجر إلى مصر فرارا من الزحف المغولي وأقام في القاهرة بقية حياته إلى أن توفي فيها سنة ٧٥٦ ه (١).
ومن هنا يتبين لنا أنّ السر في تلك الهجرة الاضطراب في أمور بلاد الشام في هذه الفترة التي تلت سقوط بغداد في أيدي المغول سنة ٦٥٦ ه وتعرض هذه البلاد لهجمات المغول بين حين وآخر مثل هذه الاضطرابات تعرضت فيه الأندلس لغارات الفرنجة الصليبيين فصارت هجرة العلماء أمرا طبيعيا وسنة متبعة ولم يجدوا أمامهم إلا مصر وكانت مصر في هذه الآونة تحت حكم المماليك.
وقد يتساءل الإنسان لماذا اختار العلماء مصر على من سواها من بلاد العالم والإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا وقفة على الحركة العلمية في مصر.
... أصبحت مصر في عصر سلاطين المماليك محورا لنشاط علمي كبير ، فقصدها العلماء وطلاب العلم من مختلف الأقطار. والدليل على ما نقول ما خلفه علماء ذلك العصر من تراث ضخم في مختلف الفنون (٢).
فقد أفسح المماليك حكام مصر في هذا العصر صدورهم للعلماء وأولوهم المكانة اللائقة بهم حتى لقد أوقف الأمراء والسلاطين وذوي اليسار الأوقاف الكبيرة على دور العلم والعلماء والطلاب فشيدت المدارس والجامعات والمساجد التي تحمل رسالة الدين والعلم ، وكانت هذه المدارس خلايا تزخر بالطلاب الذين يفدون إليها من كل صوب.
وكان منهج التعليم في هذه الجامعات كفيلا بتنمية المواهب لدى الطلاب فهم أحرار في اختيار الكتاب الذي يدرسونه والأستاذ الذي يلتفون حوله (٣).
__________________
(١) طبقات الشافعية ٢ / ٥١٣.
(٢) التجمع المصري في عصر سلاطين المماليك ص ١٤١.
(٣) الأدب في العصر المملوكي ٤٣ ، ٤٤.
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)