(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)(٢٤٦)
قوله تعالى : (مِنْ بَنِي) : فيه وجهان :
أحدهما : أنه صلة للملأ على مذهب الكوفيين ، لأنهم يجعلون المعرّف بأل موصولا وينشدون :
|
١٠٢٢ ـ لعمري لأنت البيت أكرم أهله |
|
وأقعد في أفنائه بالأصائل (١) |
فالبيت موصول ، فعلى هذا لا محلّ لهذا الجارّ من الإعراب.
والثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من الملأ ، و «من» للتعيض ، أي : في حال كونهم بعض بني إسرائيل.
والملأ : الأشراف ، سمّوا بذلك لأنهم يملأون العيون هيبة ، أو المجالس إذا حضروا ، أو لأنهم مليئون بما يحتاج إليهم فيه. وقال الفراء : «الملأ : الرجال في كلّ القرآن ، وكذلك القوم والرهط والنفر ، ويجمع على أملاء ، قال :
|
١٠٢٣ ـ وقال لها الأملاء من كلّ معشر |
|
وخير أقاويل الرّجال سديدها (٢) |
وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط.
و (مِنْ بَعْدِ مُوسى) متعلّق بما تعلّق به الجارّ الأول وهو الاستقرار ، ولا يضرّ اتحاد الحرفين لفظا لاختلافهما معنى ، فإنّ الأولى للتبعيض والثانية لابتداء الغاية. وقال أبو البقاء : «من بعد» متعلّق بالجار الأول. أو بما تعلّق به الأول» يعني بالأول : «من بني» ، وجعله عاملا في «من بعد» لما تضمّنه من الاستقرار ، فلذلك نسب العمل إليه ، وهذا على رأي بعضهم ، ينسب العمل للظرف والجارّ الواقعين خبرا أو صفة أو حالا أو صلة ، فتقول في نحو : «زيد في الدار أبوه» أبوه : فاعل بالجارّ ، والتحقيق أنه فاعل بالاستقرار الذي تعلّق به الجارّ ، وهو الوجه الثاني. وقدّر أبو البقاء مضافا محذوفا. تقديره : من بعد موت موسى ، ليصحّ المعنى بذلك.
قوله : (إِذْ قالُوا) العامل في هذا الظرف أجازوا فيه وجهين :
أحدهما : أنه العامل في «من بعد» لأنّه بدل منه ، إذ هما زمانان ، قاله أبو البقاء.
والثاني : أنه «ألم تر» وكلاهما غير صحيح. أمّا الأول فلوجهين :
أحدهما : من جهة اللفظ ، والآخر : من جهة المعنى. فأمّا الذي من جهة اللفظ فإنه على تقدير إعادة «من»
__________________
(١) تقدم.
(٢) البيت من شواهد البحر (٢ / ٢٤٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)