والرؤية هنا علمية فكان من حقّها أن تتعدّى لاثنين ، ولكنها ضمّنت معنى ما يتعدّى بإلى ، والمعنى : ألم ينته علمك إلى كذا. وقال الراغب : «رأيت : يتعدّى بنفسه دون الجارّ ، لكن لما استعير قولهم : «ألم تر» بمعنى ألم تنظر عدّي تعديته ، وقلّما يستعمل ذلك في غير التقدير ، لا يقال : رأيت إلى كذا».
وقرأ السلمي : «تر» بسكون الراء ، وفيها وجهان :
أحدهما : أنه توهّم أن الراء لام الكلمة فسكّنها للجزم كقوله :
|
١٠١٧ ـ قالت سليمى اشتر لنا سويقا |
|
واشتر فعجّل خادما لبيقا (١) |
وقيل : هي لغة قوم ، لم يكتفوا في الجزم بحذف حرف العلة.
والثاني : أنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، وهذا أولى فإنه كثير في القرآن نحو : (الظُّنُونَا)(٢) و (الرَّسُولَا)(٣) و (السَّبِيلَا)(٤) و (لَمْ يَتَسَنَّهْ)(٥) وبهداهم (اقْتَدِهْ)(٦) وقوله : (وَنُصْلِهِ)(٧) و (نُؤْتِهِ)(٨) و (يُؤَدِّهِ)(٩) ، وسيأتي ذلك.
قوله : (وَهُمْ أُلُوفٌ) مبتدأ وخبر ، وهذه الجملة في موضع نصب على الحال ، وهذا أحسن مجيئها ، إذ قد جمع فيها بين الواو والضمير. و «ألوف» فيه قولان :
أظهرهما : أنه جمع «ألف» لهذا العدد الخاصّ وهو جمع كثرة ، وجمع القلة : آلاف كحمول وأحمال.
والثاني : أنه جمع «آلف» على فاعل كشاهد وشهود وقاعد وقعود. أي : خرجوا وهم مؤتلفون ، قال الزمخشري : «وهذا من بدع التفاسير».
قوله : (حَذَرَ الْمَوْتِ) مفعول من أجله ، وفيه شروط النصب ، أعني المصدرية واتحاد الفاعل والزمان.
قوله : (ثُمَّ أَحْياهُمْ) فيه وجهان :
أحدهما : أنه معطوف على معنى : فقال لهم الله : موتوا ، لأنه أمر في معنى الخبر تقديره : فأماتهم الله ثم أحياهم.
والثاني : أنه معطوف على محذوف ، تقديره : فماتوا ثم أحياهم ، و «ثم» تقتضي تراخي الإحياء عن الإماتة. وألف «أحيا» عن ياء ، لأنه من «حيي» ، وقد تقدّم تصريف هذه المادة عند قوله : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً)(١٠).
قوله : (إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ) أتى بهذه الجملة مؤكّدة ب «إنّ» واللام ، وأتى بخبر «إنّ» : «ذو» الدالة على
__________________
(١) تقدم.
(٢) سورة الأحزاب ، آية (١٠).
(٣) سورة الأحزاب ، آية (٦٦).
(٤) سورة الأحزاب ، آية (٦٧).
(٥) سورة البقرة ، آية (٢٥٩).
(٦) سورة الأنعام ، آية (٩٠).
(٧) سورة النساء ، آية (١١٥).
(٨) سورة آل عمران ، آية (١٤٥).
(٩) سورة آل عمران ، آية (٧٥).
(١٠) سورة البقرة ، آية (٢٦).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)