الوجه ، وذلك أنّ التقادير التي ذكرتها بعد تقدير الإرادة لا يظهر معناها ، لما فيه من تعليل امتناع الحلف بانتفاء البر ، بل وقوع الحلف معلّل بانتفاء البرّ ، ولا ينعقد منهما شرط وجزاء ، لو قلت في معنى هذا النهي وعلّته : «إن حلفت بالله بررت» لم يصحّ ، بخلاف تقدير الإرادة ، فإنه يعلّل امتناع الحلف بإرادة وجود البرّ ، وينعقد منهما شرط وجزاء ، تقول : إن حلفت لم تبرّ وإن لم تحلف بررت.
الثالث : أنّها على إسقاط حرف الجرّ ، أي : في أن تبرّوا ، وحينئذ يجيء فيها القولان : قول سيبويه والفراء ، فتكون في محلّ نصب ، وقول الخليل والكسائي فتكون في محلّ جرّ. وقال الزمخشري : «ويتعلّق «أن تبرّوا» بالفعل أو بالعرضة ، أي : «ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم عرضة لأن تبرّوا». قال الشيخ (١) : «وهذا التقدير لا يصحّ للفصل بين العامل ومعموله بأجنبي ، وذلك أنّ «لأيمانّكم» عنده متعلق بتجعلوا ، فوقع فاصلا بين «عرضة» التي هي العامل وبين «أن تبرّوا» الذي هو في أن تبروا ، وهو أجنبيّ منهما. ونظير ما أجازه أن تقول : «امرر واضرب بزيد هندا ، وهو غير جائز ، ونصّوا على أنه لا يجوز : «جاءني رجل ذو فرس راكب أبلق» أي رجل ذو فرس أبلق راكب ، لما فيه من الفصل بالأجنبي.
الرابع : أنها في محلّ جرّ عطف بيان لأيمانكم ، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البرّ والتقوى والإصلاح. قال الشيخ (٢) : «وهو ضعيف لما فيه من جعل الأيمان بمعنى المحلوف عليه» ، والظاهر أنها هي الأقسام التي يقسم بها ، ولا حاجة إلى تأويلها بما ذكر من كونها بمعنى المحلوف عليه إذ لم تدع إليه ضرورة ، وهذا بخلاف الحديث ، وهو قوله صلىاللهعليهوسلم : «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها» (٣) فإنه لا بد من تأويله فيه بالمحلوف عليه ، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك في الآية الكريمة.
الخامس : أن تكون في محلّ جر على البدل من «لأيمانكم» بالتأويل الذي ذكره الزمخشري ، وهذا أولى من وجه عطف البيان ، فإنّ عطف البيان أكثر ما يكون في الأعلام.
السادس : ـ وهو الظاهر ـ أنّها على إسقاط حرف الجر لا على ذلك الوجه المتقدم ، بل الحرف غير الحرف ، والمتعلّق غير المتعلّق ، والتقدير : «لإقسامكم على أن تبرّوا» ف «على» متعلق بإقسامكم ، والمعنى : ولا تجعلوا الله معرّضا ومتبدّلا لإقسامكم على البرّ والتقوى والإصلاح التي هي أوصاف جميلة خوفا من الحنث ، فكيف بالإقسام على ما ليس فيه برّ ولا تقوى!!!.
والعرضة في اشتقاقها ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها فعلة بمعنى مفعول من العرض كالقطبة والغرفة. ومعنى الآية على هذا : لا تجعلوه معرّضا للحلف من قولهم : فلان عرضة لكذا أي : معرّض ، قال كعب :
|
٩٥٩ ـ من كلّ نضّاخة الذّفرى إذا عرقت |
|
عرضتها طامس الأعلام مجهول (٤) |
__________________
(١) انظر البحر المحيط (٢ / ١٧٨).
(٢) انظر المصدر السابق.
(٣) غير مخرج في الأصل.
(٤) انظر ديوانه (٩) ، الطبري (٤ / ٤٢٤) ، القرطبي (٣ / ٩٨).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)