قوله : (حَتَّى يُؤْمِنَ) «حتى» بمعنى «إلى» فقط ، والفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» ، أي : إلى أن يؤمنّ ، وهو مبنيّ على المشهور لاتصاله بنون الإناث ، والأصل : يؤمنن ، فأدغمت لام الفعل في نون الإناث.
قوله : (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ) سوّغ الابتداء ب «أمة» شيئان : لام الابتداء والوصف ، وأصل «أمة» : أمو ، فحذفت لامها على غير قياس ، وعوّض منها تاء التأنيث ك «قلة» و «ثبة» يدلّ على أنّ لامها واو رجوعها في الجمع. قال الكلابي :
|
٩٥٣ ـ أمّا الإماء فلا يدعونني ولدا |
|
إذا تداعى بنو الإموان بالعار (١) |
ولظهورها في المصدر أيضا ، قالوا : أمة بيّنة الأموّة وأقرّت له بالأموّة. وهل وزنها «فعلة» بتحريك العين أو «فعلة» بسكونها؟ قولان :
أظهرهما الأول ، وكان قياسها على هذا أن تقلب لامها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها كفتاة وقناة ، ولكن حذفت على غير قياس.
والثاني : قال به أبو الهيثم ، فإنه زعم أنّ جمع الأمة أمو ، وأنّ وزنها فعلة بسكون العين فيكون مثل نخل ونخلة فأصلها أموة ، فحذفوا لامها إذ كانت حرف لين ، فلمّا جمعوها على مثل نخلة ونخل لزمهم أن يقولوا : أمة وأم ، فكرهوا أن يجعلوها حرفين ، وكرهوا أن يردّوا الواو المحذوفة لمّا كانت آخر الاسم ، فقدّموا الواو وجعلوه ألفا بين الهمزة والميم فقالوا : أام. وما زعمه ليس بشيء إذ كان يلزم أن يكون الإعراب على الميم كما كان على لام «نخل» وراء «تمر» ، ولكنه على التاء المحذوفة مقدّر كما سيأتي بيانه. وجمعت على «إموان» كما تقدّم ، وعلى إماء ، والأصل : إماو ، نحو رقبة ورقاب ، فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة ككساء. وفي الحديث : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (٢) وعلى آم ، قال الشاعر :
|
٩٥٤ ـ تمشي بها ربد النّعا |
|
م تماشي الآم الزّوافر (٣) |
والأصل «أأمو» بهمزتين ، الأولى مفتوحة زائدة ، والثانية ساكنة هي فاء الكلمة نحو : أكمة وأأكم ، فوقعت الواو طرفا مضموما ما قبلها في اسم معرب ولا نظير له ، فقلبت الواو ياء والضمة كسرة لتصحّ الياء ، فصار الاسم من قبيل المنقوص نحو : غاز وقاض ، ثم قلبت الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد أخرى مفتوحة ، فتقول : جاء آم ومررت بآم ورأيت آميا ، تقدّر الضمة والكسرة وتظهر الفتحة ، ونظيره في هذا القلب مجموعا أدل وأجر جمع دلو وجرو ، وهذا التصريف الذي ذكرناه يردّ على أبي الهيثم قوله المتقدم ، أعني كونه زعم أن آميا جمع أموة بسكون العين ، وأنه قلب ، إذ لو كان كذلك لكان ينبغي أن يقال جاء آم ومررت بآم ورأيت آما ، وجاء الآم ومررت بالآم ، فتعرب بالحركات الظاهرة.
والتفضيل في قوله : (خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) : إمّا على سبيل الاعتقاد لا على سبيل الوجود ، وإمّا لأنّ نكاح
__________________
(١) البيت في ديوانه (٥٤) ، أمالي ابن الشجري (٢ / ٥٣) ، والقالي (٢ / ٢٢٣).
(٢) أخرجه البخاري ٢ / ٣٥ ، كتاب الجمعة (٩٠٠) ، ومسلم
(٣) البيت للكميت انظر اللسان «أما» ، وهو من شواهد البحر (٢ / ١٥٥). ١ / ٣٢٧ ، كتاب الصلاة (١٣٦ ـ ٤٤٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)