أحدهما : أن تكون للنبي صلىاللهعليهوسلم أو للسامع ، فتكون على أصلها من مخاطبة المفرد.
والثاني : أن تكون خطابا للجماعة فيكون ذلك ممّا خوطب به الجمع بخطاب المفرد ، ويؤيّده قوله : «لكم» و «لعلكم» ، وهي لغة للعرب ، يخاطبون في اسم الإشارة بالكاف مطلقا ، وبعضهم يستغني عن الميم بضمة الكاف ، قال :
|
٩٤٩ ـ وإنّما الهالك ثمّ التالك |
|
ذو حيرة ضاقت به المسالك (١) |
كيف يكون النّوك إلا ذلك
(فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٢٠)
قوله تعالى : (فِي الدُّنْيا) : فيه خمسة أوجه :
أظهرها : أن يتعلّق بيتفكرون على معنى : يتفكرون في أمرهما ، فيأخذون ما هو الأصلح ، ويؤثرون ما هو أبقى نفعا.
والثاني : أن يتعلّق ب «يبيّن» ويروى معناه عن الحسن ، وحينئذ يحتمل أن يقدّر مضافا ، أي : في أمر الدنيا والآخرة ، ويحتمل ألّا يقدّر ، لأنّ بيان الآيات وهي العلامات يظهر فيها. وجعل بعضهم قول الحسن من التقديم والتأخير ، ثم قال : «ولا حاجة لذلك ، لحمل الكلام على ظاهره ، يعني من تعلق في الدنيا ب «تتفكرون». وهذا ليس من التقديم والتأخير في شيء ، لأنّ جملة الترجّي جارية مجرى العلة فهي متعلقة بالفعل معنى ، وتقديم أحد المعمولات على الآخر لا يقال فيه تقديم وتأخير ، ويحتمل أن تكون اعتراضية فلا تقديم ولا تأخير.
والثالث : أن تتعلّق بنفس «الآيات» لما فيها من معنى الفعل وهو ظاهر قوله مكي فيما فهمه عنه ابن عطية. قال مكي : «معنى الآية أنه يبيّن للمؤمنين آيات في الدنيا والآخرة يدلّ عليها وعلى منزلتها لعلهم يتفكرون في تلك الآيات» قال ابن عطية : «فقوله : «في الدنيا» يتعلّق على هذا التأويل بالآيات» وما قاله عنه ليس بظاهر ، لأنّ شرحه الآية لا يقتضي تعلّق الجار بالآيات. ثم إن عنى ابن عطية بالتعلّق التعلّق الاصطلاحي ، فقال الشيخ (٢) : «فهو فاسد ، لأنّ «الآيات» لا تعمل شيئا البتة ، ولا يتعلّق بها ظرف ولا مجرور» وهذا من الشيخ فيه نظر ، فإن الظروف تتعلّق بروائح الأفعال ، ولا شك أن معنى الآيات العلامات الظاهرة فيتعلّق بها الظرف على هذا. وإن عنى التعلق المعنويّ وهو كون الجارّ من تمام معنى «الآيات» فذلك لا يكون إلا إذا جعلنا الجارّ حالا من «الآيات» ولذلك قدّرها مكي نكرة فقال : «يبيّن لهم آيات في الدنيا» ليعلم أنها واقعة موقع الصفة لآيات ، ولا فرق في المعنى بين الصفة والحال فيما نحن بصدده ، فعلى هذا تتعلق بمحذوف لوقوعها صفة.
الرابع : أن تكون حالا من «الآيات» كما تقدّم تقريره الآن.
الخامس : أن تكون صلة للآيات فتتعلّق بمحذوف أيضا ، وذلك مذهب الكوفيين فإنهم يجعلون من
__________________
(١) البيت في الهمع (١ / ٧٧) ، الدرر (١ / ٥١).
(٢) انظر البحر المحيط (٢ / ١٦٠).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)