قوله تعالى : (فَمَنْ بَدَّلَهُ) : «من» يجوز أن تكون شرطية وموصولة ، والفاء : إمّا واجبة إن كانت شرطا ، وإمّا جائزة إن كانت موصولة ، بلفظ المؤنّث لأنّها في معنى المذكّر ، وهو الإيصاء. أو تعود على نفس الإيصاء المدلول عليه بالوصيّة ، إلّا أنّ اعتبار التذكير في المؤنث قليل وإن كان مجازيا ، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك : هند خرجت والشمس طلعت ، ولا يجوز : الشمس طلع ، كما لا يجوز : «هند خرج» إلّا في ضرورة. وقيل : تعود على الأمر والفرض الذي أمر به الله وفرضه. وكذلك الضمير في «سمعه» والضمير في «إثمه» يعود على الإيصاء المبدّل ، أو التبديل المفهوم من قوله : «بدّله».
وقد راعى المعنى في قوله : (عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) إذ لو جرى على نسق اللفظ الأول لقال : «فإنّما إثمه عليه ـ أو على الذي يبدّله».
وقيل : الضمير في «بدّله» يعود على الكتب أو الحقّ أو المعروف. فهذه ستة أقوال.
و «ما» في قوله : (بَعْدَ ما سَمِعَهُ) يجوز أن تكون مصدرية أي : بعد : سماعه ، وأن تكون موصولة بمعنى الذي. فالهاء في «سمعه» على الأول تعود على ما عاد عليه الهاء في «بدّله» ، وعلى الثاني تعود على الموصول ، أي بعد الذي سمعه من أوامر الله.
قوله تعالى : (فَمَنْ خافَ) : يجوز فيها الوجهان الجائزان في «من» قبلها. والفاء في «فلا إثم» هي جواب الشرط أو الداخلة في الخبر. و «من موص» يجوز فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن تكون متعلقة بخاف على أنها لابتداء الغاية.
الثاني : أن تتعلّق بمحذوف على أنها حال من «جنفا» ، قدّمت عليه ، لأنها كانت في الأصل صفة له ، فلمّا تقدّمت نصبت حالا. ونظيره : «أخذت من زيد مالا» إن شئت علّقت «من زيد» ب «أخذت» ، وإن شئت جعلته حالا من «مالا» لأنه صفته في الأصل.
الثالث : أن تكون لبيان جنس الجانفين : وتتعلّق أيضا بخاف. فعلى القولين الأولين لا يكون الجانف من الموصين بل غيرهم ، وعلى الثالث يكون من الموصين.
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي : «موصّ» بتشديد الصاد والباقون بتخفيفها. وهما من أوصى ووصّى ، وقد تقدّم أنهما لغتان ، إلّا أن حمزة والكسائي وأبا بكر هم من جملة الذين يقرأون (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ)(١) مضعّفا ، وأنّ نافعا وابن عامر يقرآن : «أوصى» بالهمزة ، فلو لم تكن القراءة سنّة متبعة لا تجوز بالرأي لكان قياس قراءة ابن كثير وابي عمرو وحفص هناك «ووصّى» بالتضعيف أن يقرآ هنا «موصّ» بالتضعيف ، وأما نافع وابن عامر فإنهما قرآ هنا «موص» مخففا على قياس قراءتهما هناك و «أوصى» على أفعل. وكذلك حمزة والكسائي وأبو بكر قرأوا : «ووصّى» هناك بالتضعيف فقرأوا هنا «موصّ» بالتضعيف على القياس.
والخوف هنا بمعنى الخشية وهو الأصل ، وقيل : بمعنى العلم وهو مجاز ، والعلاقة بينهما هو أنّ الإنسان لا
__________________
(١) سورة البقرة ، آية (١٣٢).
![الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون [ ج ١ ] الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4281_aldor-almasun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)